أبي منصور الماتريدي

598

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقيل « 1 » : إن هذا الحرف خص به هذه الأمة دون غيرها من الأمم ؛ لأنه لم يذكر هذا الحرف عن الأمم السالفة ؛ ألا ترى أن يعقوب - عليه السلام - على كثرة ما أصابه من المحن والمصائب والحزن على يوسف لم يذكر هذا الحرف عنه ، ولكن قال : يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ [ يوسف : 84 ] ولو كان لهم هذا لظهر منهم على ما ظهر غيره ؛ فدل أنه مخصوص لهذه الأمة . والله أعلم . وروى عن ابن عباس ، رضى الله تعالى عنه ، أنه قال : « من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته ، وأحسن عقباه ، وجعل له خلفا صالحا يرضى به » « 2 » . ثم الصبر : هو حبس النفس عن الجزع على ما يفوت ؛ إذ هو كله لله عزّ وجل مستعار عند الخلق ، والجزع على فوت ما لغيره محال ؛ ألا ترى إلى قوله عزّ وجل : لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ [ الحديد : 23 ] . نهانا أن نحزن على ما يفوت عنا ؛ إذ هو في الحقيقة ليس لنا ، وأن نفرح بما أتانا ؛ إذ هو في الحقيقة لغيرنا . والله الموفق . وقوله : بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ ، فهو على إضمار « الشئ » في كل حرف ، إذ هو بحق العطف على ما تقدم ؛ فكأنه قال : بشيء من الخوف ، وبشيء من الجوع . ولا قوة إلا بالله . ثم يتوجه ما أخبر من البلوى إلى وجهين : أحدهما : أن يبلوه بعبادة فيها ما ذكر . والثاني : أن يبلوه بالذي ذكر لا على عبادة يدفع إليه ؛ وذلك نحو أن يبلوه بالجهاد ، وفيه الخوف ، أو يبلوه بأنواع أوصاب تحل به ، فيخاف عند ذلك على نفسه . والجوع : أن يبلوه بالصيام الذي فيه ذلك ، أو بقلّة الإتراب وغلاء الأسعار . ونقص من الأموال : يكون في الجهاد ، والحج ، والزكوات ، والمؤن المجعولة في الأموال ، ويكون في الخسران في التجارات ، وما يلحق أنواع المكاسب من الحوائج . والأنفس : يكون بالجهاد ، ومحاربة الأعداء ، ويكون بأنواع الأمراض . والثمرات : ترجع إلى قلة الإنزال ، وقصور الأيدي عما به ينال ، ومفارقة الأوطان للجهاد والحج ونحو ذلك مما فيه . ثم الله سبحانه وتعالى أخبر أنه يبلوهم بشيء مما ذكرنا ، لا بالكل . دل أنه - عز

--> ( 1 ) قاله سعيد بن جبير بنحوه ، أخرجه ابن جرير عنه ( 2337 ) ، وانظر الدر المنثور ( 1 / 286 ) . ( 2 ) أخرجه ابن جرير ( 2335 ) ، وانظر الدر المنثور ( 1 / 286 ) .