أبي منصور الماتريدي

593

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

مُسْتَقِيمٍ [ البقرة : 142 ] ، وقال : فأينما تولوا وجوهكم شطره ، فثم وجه الله . فيقطع عذرهم وحجاجهم بما بين في كتب لهم أنه يحولهم . وذلك معنى قوله : لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ . وقوله : إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ . ثم اختلف في قوله : لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ . قيل : أراد ب « الناس » أهل الكتاب ، وأراد ب « الذين ظلموا » غيرهم من الكفرة . وتأويله : لئلا يكون لأهل الكتاب عليكم حجة ، ولا الذين ظلموا . وقيل : لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ يعنى أهل الكتاب عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ فيقولوا : ليس هذا الوصف في كتبهم أنه يصلى إلى بيت المقدس وقتا ثم يتحول إلى الكعبة ، إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ يقول : إلا من ظلم منهم عليكم في الكلام بلا حجة ولا دليل فيقولوا : ليس هذا الوصف . ومثل هذا جائز في الكلام ، يقول لآخر : ليس لك على حجة إلا أن تظلمني بلا حجة . وقال الفراء : هذا كما يقول الرجل لآخر : الناس لك حامدون إلا الظالم المتعدى عليك ، صواب في المعنى ، خطأ في العربية . وذكر بيتا يدل على الجواز . ما بالمدينة دار غير واحدة * دار الخليفة إلا دار مروان « 1 » بمعنى : ولا دار مروان . وقيل أيضا : إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي على القطع من الأول والابتداء بهذا ، أي : لا تخشوا الذين ظلموا في الضرر لكم ، ولكن اخشونى في ترككم إياها ، وأن يقال : لا تخشوهم بالقتال والغلبة ، فذلك لهم منه أمن وإظهار على الأعداء ، وعلى هذا يخرج قوله : وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ يعنى الأمن من الأعداء ، [ ولا نعمة أعظم من الأمن وإظهار الحق كقوله : أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [ المائدة : 3 ] قيل : هو الأمن من الأعداء ] « 2 » أو أراد بالنعمة كل نعمة من الإسلام ، والنصر ، وغيره . وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ القبلة . وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ الإرشاد والصواب .

--> ( 1 ) البيت للفرزدق في الكتاب ( 2 / 340 ) ، وليس في ديوانه ، وبلا نسبة في تذكرة النحاة ص ( 596 ) ، والجنى الداني ص ( 519 ) ، والمقتضب ( 4 / 425 ) . ( 2 ) ما بين المعقوفين سقط في أ ، ط .