أبي منصور الماتريدي

588

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

يوجب اختلافا في الدين وتفرقا فيه . فنقول : إن الإيمان في الأصل الذي لا يقع على اعتقاد الصلاة إلى جهة دون جهة ، بل يقع على الائتمار . فالإيمان من الصحابة ، رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ، الذين ماتوا كان على اعتقاد الائتمار فهم مؤمنون باعتقاد الائتمار إلى بيت المقدس ، مؤمنون باعتقاد الائتمار إلى الكعبة . فلا تفرق ولا اختلاف في الإيمان ، إذ في الأصل به وقع الاعتقاد للائتمار . وبالله التوفيق . ثم قوله : وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ تأويله : أي لا يضيع إيمانكم بالصلاة إلى بيت المقدس . ولو كان على الصلاة فهو لوجهين : أحدهما : أنها إنما قامت بالإيمان ، فهو سبب لها ، وقد يذكر الشئ باسم سببه . والثاني : أن اليهود عرفوه إيمانا ، فورد الخطاب على ما عندهم معروف ؛ كقوله : فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ [ الصافات : 91 ] ، لا أن كان ثم آلهة ، لكن لما عندهم ، وكذلك قوله : فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [ المؤمنون : 14 ] ، لا أن كان ثم خالق سواه ، ولكن لما عرفوا كل صانع خالقا ، فخرج على الخطاب على ما عرفوا هم ذلك الأول . والله أعلم . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 144 إلى 148 ] قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ( 144 ) وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ ( 145 ) الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 146 ) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ( 147 ) وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 148 ) وقوله : قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ . قد ذكرنا أنه يخرج على الوعد له . قوله : فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها . قال بعض المفتون « 1 » : إنه كان يقلب بصره إلى السماء لما يكره أن تكون قبلته قبلة اليهود . ولكن هذا بعيد ؛ لأن مثل هذا لا يظن بأحد من المسلمين ، فكيف برسول الله صلى اللّه عليه وسلم ؟

--> ( 1 ) ورد فيه حديث عن البراء بن عازب : أخرجه ابن ماجة ( 1010 ) ، وهو قول ابن عباس : أخرجه ابن مردويه عنه كما في الدر المنثور ( 1 / 269 ) ، وقول قتادة والربيع والسدى : أخرجه ابن جرير عنهم ( 2235 ، 2236 ، 2237 ، 2238 ) ، وفي أ ، ط : المفسرين .