أبي منصور الماتريدي

589

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

إلا أن يقال : كره كراهة الطبع والنفس ، وأما كراهة الاختيار ، فلا يحتمل . ويقال : إنه كان حبب إليه الصلاة حتى لا يصبر عنها ، وقد نهى عن الصلاة إلى بيت المقدس ، ولم يؤمر بعد بالتوجه إلى غيرها ، فكان تقلب وجهه إلى السماء رجاء أن يؤمر بالتوجه إلى غيرها ، أو أن يقال : « قبلة ترضاها » ؛ لأنها كانت قبلة الأنبياء من قبل ، فلا شك أنه كان يرضاها . وهذا جائز في الكلام . يقول الرجل لآخر : أعطيك شيئا ترضاه ، وإن لم يظهر منه الكراهية في ذلك ، ولا التردد . وقوله : فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ . وقد ذكرنا القول في القبلة ، والاختلاف فيه فيما تقدم . وقوله : وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ . يحتمل قوله : أَنَّهُ الْحَقُّ على وجهين : أحدهما : أي علموا أن تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة حق ، لكنهم يعاندون ويتبعون هواهم . والثاني « 1 » : أي علموا بما بيّن له في كتبهم أن محمدا رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، وأنه حق . وقوله : وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ . وهو على ما ذكرنا أنه على الوعيد والتهديد . والله أعلم . وقوله : وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ . في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون ولا يتابعون محمدا صلى اللّه عليه وسلم في قبلته حيث آيسه عن متابعتهم إياه ؛ لأنها لو كانت في أهل الكتاب كلهم لكان لهم الاحتجاج على رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، ودعوى الكذب عليه ؛ لأن من أهل الكتاب من قد آمن . فدل أنهم لم يفهموا من عموم اللفظ عموم المراد ، ولكن فهموا من عموم اللفظ خصوصا . وكان ظاهرا في أهل الإسلام وأهل الكفر جميعا المعنى الذي وصفنا لك . فظهر أنه لا يجوز أن يفهم من مخرج عموم اللفظ عموم المراد . وفيه دلالة إثبات رسالة محمد صلى اللّه عليه وسلم ؛ لأنه في موضع الإخبار بالإياس عن الاتباع له . ولا يوصل إلى مثله إلا بالوحي عن الله عزّ وجل . وفيه أن كثرة الآيات وعظمها في نفسها لا يعجز المعاند عن اتباع هواه والاعتقاد لما يخالف هواه . وقوله : وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ .

--> ( 1 ) زاد في أ : يحتمل .