أبي منصور الماتريدي

571

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وعلى ذلك : وقع كل نوع منها لفوت النعمة ، التي هي المرغوبة المختارة في الطبيعة ، وإلى ما يدوم تلك يدعو العقل ببذل ما ينقطع منه ، ثم جعلت قوى النفس بشهواتها ، ونعم الأموال بأنواع الكد والجهد . فعلى ذلك : خفف حقوق الأموال ؛ فلم يجعل إلا في الفضل الذي لا اختيار لهم ألا يبلغوا بالجهد ذلك ، ففي ذلك جعلت الحقوق على ما يحتمل الوسع لهم من الترتيب ، مع اليسر الذي أخبر الله أنه يريد بهم ذلك ، لا العسر ، والله أعلم . وقوله : وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ . دل سؤال التوبة أن الأنبياء - عليهم السلام - قد يكون منهم الزلات والعثرات ، على غير قصد منهم . ثم فيه الدليل على أن العبد قد يسأل عن زلة لم يتعمدها ولم يقصدها ؛ لأنهم سألوا التوبة مجملا . ولو كان سبق منهم شئ علموا به وعرفوه لذكروه ؛ فدل سؤالهم التوبة مجملا على أن العبد مسؤول عن زلات لم يتعمدها . وقوله : رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ . يحتمل وجوها : يحتمل رَسُولًا مِنْهُمْ : من المسلمين ؛ لأنه أخبر أن عهده لا يناله الظالم . ويحتمل رَسُولًا مِنْهُمْ : من جنسهم ، من البشر ؛ لأنه أقرب إلى المعرفة والصدق ممن كان من غير جنسهم ، كقوله تعالى : وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا . . . الآية [ الأنعام : 9 ] . ويحتمل رَسُولًا مِنْهُمْ : أي من قومهم ، ومن جنسهم ، وبلسانهم ، لا من غيرهم ، ولا بغير لسانهم - والله أعلم - كقوله : لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ [ التوبة : 128 ] . وقوله : يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ . قيل : الآيات هي الحجج . وقيل : الآيات هي الدين . ويحتمل : يدعوهم إلى توحيدك ، والله أعلم . وقوله : وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ . يعنى القرآن : ما أمرهم به ، ونهاهم عنه ، ونحو ذلك . وقوله : وَالْحِكْمَةَ