أبي منصور الماتريدي

564

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقد قرئ « 1 » : « فأمتعه » على معنى دعاء إبراهيم - عليه السلام - « ومن كفر فأمتعه » بالجزم . فإن قيل : لم لا كان تفاضل الامتحان بتفاضل النعم . وإنما يعقل فضل الامتحان بفضل العقل ، ويعلم أن المؤمن هو المفضّل بالعقل . كيف لا وقع فضل ما به يمتحن - وهو النعم - لأن العقل الذي به يدرك الحق واحد ، لا تفاضل فيه لأحد . ثم العقل الذي به يمتحن واحد ؛ فهما متساويان - فيما به درك الحق - إلا أن أحدهما يدركه فيتبعه ، والآخر يدركه فيعانده . فهو - من حيث معرفته - ذو عقل ، أعرض عنه ؛ فيسمى معاندا ، إذ من لا عقل له يسمى مجنونا . وقوله : ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ . ذكر الاضطرار ، وهو كقوله : خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ [ الدخان : 47 ] وهو السوق ، وكقوله : وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ [ مريم : 86 ] إنهم يساقون إليها ، ويدعّون ، لا أنهم يأتونها طوعا واختيارا . وقوله : وَبِئْسَ الْمَصِيرُ . أي : بئس ما صاروا إليه . وقوله : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا . أمرا برفع البيت وببنائه ؛ ففعلا ، ثم سألا ربهما : أن يتقبل منهما . فهكذا الواجب على كل مأمور بعبادة ، أو قربة - إذا فرغ منها ، وأداها - أن يتضرع إلى الله ، ويبتهل ؛ ليقبل منه ، وألا يرد عليه ؛ ليضيع سعيه . وقوله : إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ لدعائهم . الْعَلِيمُ بما نووا وأضمروا . وقوله : رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ . والإسلام قد ذكرنا فيما تقدم أنه يتوجه إلى وجوه : أحدها : هو الخضوع له والتذلل . والثاني : هو الإخلاص . ثم اختلف أهل الكلام في الإسلام : فقال بعضهم : إنه يتجدد في كل وقت ؛ لذلك سألوا ذلك ، وهو كقوله - تعالى -

--> ( 1 ) ينظر : اللباب ( 2 / 457 ) ، والسبعة ( 170 ) ، وإتحاف الفضلاء ( 1 / 417 ) ، والعنوان ( 71 ) ، وشرح الطيبة ( 4 / 68 ) .