أبي منصور الماتريدي
565
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [ النساء : 136 ] معناه : آمنوا بالله في حادث الوقت ؛ لأنه تارك فعل الكفر في كل وقت ؛ فبترك الكفر يتجدد له الإيمان . وعلى ذلك : يخرج تأويلنا في الزيادة بقولهم : زادتهم إيمانا يتجدد له ، ويزداد في حادث الوقت . وقال آخرون : كان سؤالهم الإسلام سؤال الثبات عليه والدوام . وقد ذكرنا أن العصمة لا ترفع خوف الزوال . ومثل هذا : الدعاء والسؤال - على قول المعتزلة - يكون عبثا ؛ لأنه لا يملك إعطاء ما سألوا عندهم ، بل هم الذين يملكون ذلك ، فيخرج السؤال في هذا - عندهم - مخرج اللعب والعبث ، فنعوذ بالله من السرف في القول والزيغ عن الهدى . ثم الإيمان : هو التصديق والتصديق بالقلب يتجدد في كل وقت ، فلا وقت يخلو القلب عنه في حال سكون ، أو حال حركة ، والله أعلم . وقوله : وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ . يحتمل : أن الأمة المسلمة هي أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم ؛ وذلك : أنّه لم يكن من أولاد إسماعيل رسول سوى محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فسألا : أن يجعل من ذريتهما رسولا ، وأمة مسلمة ، خالصة له . وإنما الرسل كانوا من أولاد إسحاق ومن نسله ، والله أعلم . وقوله : وَأَرِنا مَناسِكَنا . وقيل في قوله : وَأَرِنا مَناسِكَنا : يريد الإراءة إلى يوم القيامة ، يدل عليه قراءة عبد الله : « وأرهم مناسكهم » ، وفي قراءة غيره « 1 » على ضم الرؤية إلى نفسه . والمنسك : هو القربة . وأفعال الحج سميت « 2 » مناسكا . ثم لا يحتمل : أن يسألا ذلك ، من غير أمر سبق منه - عزّ وجل - بذلك ؛ لأنه ليس من الحكمة سؤال : إيجاب فضل عبادة ، أو قربة بغير أمر ؛ فدل أنه قد سبق منه بذلك أمر ، لكنه لم يبين لهما ، فسألا : تعليم ماهيتها وكيفيتها ، فعلمهما جبريل ذلك . ففيه : دلالة تأخير البيان عن « 3 » وقت قرع السمع الخطاب ؛ ألا ترى أنه أمر بالنداء للحج ولم يعلم . والثاني : أن آدم والملائكة قد كانوا حجوا هذا البيت قبل إبراهيم - عليه السلام - فدل
--> ( 1 ) ينظر : البحر المحيط ( 1 / 390 ) ، والكشاف ( 1 / 94 ) ، ومعاني القرآن للفراء ( 1 / 79 ) . ( 2 ) في ط : سمى . ( 3 ) في ط : من .