أبي منصور الماتريدي

550

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

قيل : بينا أمر محمد صلى اللّه عليه وسلم بالآيات ، والحجج التي أقامها : أنه رسول لمن آمن به ، وصدقه ، ولم يعانده . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 119 إلى 123 ] إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ ( 119 ) وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ( 120 ) الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ( 121 ) يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ ( 122 ) وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ( 123 ) وقوله : إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً . قيل : إِنَّا أَرْسَلْناكَ يا محمد ؛ لتدعوهم إلى الحق ، وهو التوحيد . وقيل : بالحق : بالقرآن . وقيل : بالحق : بالحجج والآيات . بَشِيراً لمن أطاعه بالجنة ، وَنَذِيراً لمن عصاه وخالف أمره بالنار . وقيل : بالحق الذي لله على الخلق ، والحق الذي لبعض على بعض ؛ لتدعوهم إليه وتدلهم عليه . وقوله : « ولا تسأل عن أصحاب الجحيم » « 1 » . وجائز أن يكون بمعنى : لا تسأل بعد هذا عنهم . ولم يذكر أنه سئل عنهم بعده ؛ فيكون ذلك آية له بما هو خبر عن علم الغيب . قيل : إن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم - قال : « ليت شعري ! ما فعل أبواى ؟ » فأنزل الله - تعالى -

--> ( 1 ) ثبت في حاشية أ : قوله - سبحانه وتعالى - : وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ فيه لغتان ؛ بنصب التاء ، وضمها . أما النصب ، فقد قيل : إن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم سأل عن أبويه ذات يوم ؛ فقال : ليت شعري ! ما فعل أبواى ؟ ! فأوحى الله تعالى : وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ بمعنى النهى عن أصحاب الجحيم . وأما الضم فيحتمل وجهين : لا ؛ أي لا تسأل أنت يا محمد عن ذنوب أصحاب الجحيم . وهو كقوله تعالى : « ولا يسألون عما كانوا يعملون » . وكقوله : وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى * ونحوه . والثاني : أي لا تسأل بعد هذا عن أصحاب الجحيم . ولم يذكر أنه سأل عنهم بعده . فإن كان على هذا الوجه فهو أثر دلالة على إثبات رسالة محمد صلى اللّه عليه وسلم فإنه أخبر عن الغيبة فلا يعرف إلا بطريق الوحي ، والله تعالى أعلم ، شرح .