أبي منصور الماتريدي
530
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
مِنْ رَبِّكُمْ . ما يَوَدُّ أي : ما يريد وما يتمنى الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ اليهود والنصارى وَلَا الْمُشْرِكِينَ ما يود هؤلاء أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ . يحتمل وجهين : أحدهما : أنهم كانوا يهوون ويحبون أن يبعث الرسول من أولاد إسرائيل وهم كانوا من نسله . فلما بعث من أولاد إسماعيل - عليه السلام - على خلاف ما أحبوا وهووا ، لم تطب أنفسهم بذلك ، بل كرهت ، وأبت أشدّ الإباء والكراهية . والثاني : لم يحبّوا ذلك ؛ لما كانت تذهب منافعهم التي كانت لهم ، والرئاسة بخروجه صلى اللّه عليه وسلم ، والله أعلم . وقوله : مِنْ خَيْرٍ . قيل « 1 » : الخير ؛ النبوة . وقيل : الخير ؛ الإسلام . وقيل : الخير ؛ الرسول هاهنا ، والله أعلم . وقوله : وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ . تنقض على المعتزلة قولهم ؛ لأنهم يقولون : إن على الله أن يعطى لكلّ الأصلح في الدين ، في كل وقت ، وكل زمان . فلو كان عليه ذلك لم يكن للاختصاص معنى ، ولا وجه . والثاني : قال : وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ والمفضل عند الخلق هو الذي يعطى ويبذل ما ليس عليه ، لا ما عليه ؛ لأن من عليه شئ فأعطاه ، أو قضى ما عليه من الدّين ، لا يوصف بالإفضال ؛ فدل أنه استوجب ذلك الاختصاص ، وذلك الفضل ، لما لم يكن عليه ذلك ، ولو كان عليه لكان يقول : ذو العدل ، لا ذو الفضل ، وبالله التوفيق . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 106 إلى 110 ] ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 106 ) أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ( 107 ) أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ ( 108 ) وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 109 ) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 110 )
--> ( 1 ) ذكره البغوي في تفسيره ( 1 / 103 ) .