أبي منصور الماتريدي

531

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله : ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها . قال بعض أهل الكلام « 1 » : ما نَنْسَخْ من اللوح المحفوظ أَوْ نُنْسِها : ندعها في اللوح . وقيل : ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أي نرفع بآية أخرى أو نتركها في الأخرى . وقيل « 2 » : ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ فنرفع حكمها ، والعمل بها ، أَوْ نُنْسِها أي : نترك قراءتها وتلاوتها . فيجوز رفع عينها ، ويجوز رفع حكمها وإبقاء عينها ؛ لأوجه : أحدها : ظهور المنسوخ ؛ فبطل قول من أنكر النسخ ؛ إذ وجد . ومن أنكر ذلك فإنما أنكر لجهل بالمنسوخ ؛ لأن النسخ بيان الحكم إلى وقت ، ليس على البداء ، على ما قالت اليهود . والثاني : أن للتلاوة فيها فضلا - كما للعمل - فيجوز رفع فضل العمل ، وبقاء فضل التلاوة . والثالث : على جعل الأول في حالة الاضطرار ، والثاني في وقت السعة ، كقوله : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ [ المائدة : 3 ] . ثم يجوز أن يرفع عينها فينسى ذكرها ، كما روى عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال : « كنا نعدل سورة الأحزاب بسورة البقرة ، حتى رفع « 3 » منها آيات ، منها : الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة » « 4 » . وأما قوله : نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها . فاختلف فيه : قيل : نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أي : أخفّ وأهون على الأبدان ؛ كقوله : وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ [ البقرة : 184 ] ، إن الأمر بالصوم كان لوقت دون وقت ؛ إذ رجع الحكم عند الطاقة إلى غيره . وكذا ما كان من الحكم في تحريم الأكل عند النوم والجماع ، وكذا

--> ( 1 ) انظر تفسير البغوي ( 1 / 103 ) . ( 2 ) انظر تفسير البغوي ( 1 / 103 - 104 ) . ( 3 ) في أ : يرفع . ( 4 ) أخرجه ابن حبان ( 4428 ، 4429 ) عن أبي بن كعب بنحوه ، وأصله في الصحيحين من حديث عمر ابن الخطاب .