أبي منصور الماتريدي
525
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
ينهى عن ذلك ؛ لأنه ما لم يعلم لم نعلم « 1 » قبحه وفساده ، ولكن إنما ينهى عن الاعتقاد له ؛ فكان كالكفر الذي في تعلمه ، والله أعلم . ثم نقول : إن قولهما : فَلا تَكْفُرْ على الاختيار منهما ، وكلمة السحر جار عليهما في اللسان ، من غير صنع لهما فيه ، والله أعلم . وقوله : وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ . قيل « 2 » : إلا بعلم الله وقضائه . وقيل : بخذلانه وتخليه . وقيل : بمشيئة الله وإرادته . وأما ظاهر الإذن فهو يخرج على الإباحة ؛ فالعقل يدفعه . وقيل « 3 » : إنه لا يصل إلى هاروت وماروت أحد من بني آدم ، وإنما يختلف بينهم شيطان في كل مسألة ، والله أعلم . ثم السحر يكون على وجهين « 4 » : سحر يكفر به صاحبه ؛ فإن كان ذلك منه بعد الإسلام ، يقتل به صاحبه « 5 » ؛ لأنه ارتداد منه .
--> ( 1 ) في ط : يعلم . ( 2 ) قاله سفيان ، أخرجه ابن جرير ( 1707 ) عنه بنحوه . ( 3 ) ذكره البغوي في تفسيره ( 1 / 102 ) ونسبه لمجاهد . ( 4 ) ثبت في حاشية أ : والسحر على قسمين ، أحدهما ؛ يكفر به صاحبه . وهو أن يعتقد أن القدرة لنفسه ، وذلك هو المؤثر ، أو يعتقد أن الكواكب هي المؤثرة النقالة . فإذا انتهى به السحر إلى هذه الغاية صار كافرا بالله ، ويجب قتله ؛ لما روى عن جنوب : أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم قال : « الساحر ضربه بالسيف صدق » أخرجه الترمذي . والقسم الثاني من السحر ؛ هو التخييل الذي يشاكل النيرنجات ، والشعبذة ، ولا يعتقد صاحبه لنفسه فيه قدرة ، ولا أن الكواكب هي المؤثرة ، ويعتقد أن القدرة لله تعالى ، وأنه هو المؤثر . فبهذا القدر لا يكفر به صاحبه ، ولكنه معصية ، وهو من الكبائر ، ويحرم فعله . فإن قتل بسحر قتل قصاصا ؛ لما روى عن مالك ، بلغه أن حفصة ، زوج النبي صلى اللّه عليه وسلم قتلت جارية لها سحرتها . وقد كانت دونها فأمرت بها فقتلت . أخرجه في الموطأ . ( لباب ابن مازن ) . ( 5 ) عقوبة الساحر : ذهب الحنفية إلى أن الساحر يقتل في حالين : الأول أن يكون سحره كفرا ، والثاني إذا عرفت مزاولته للسحر بما فيه إضرار وإفساد ولو بغير كفر . ونقل ابن عابدين أن أبا حنيفة قال : الساحر إذا أقر بسحره أو ثبت عليه بالبينة يقتل ولا يستتاب ، والمسلم والذمي في هذا سواء ، وقيل : لا يقتل إن كان ذميا . ويفهم من كلام ابن الهمام أن قتله إنما هو على سبيل التعزير ، لا بمجرد فعله إذا لم يكن في اعتقاده ما يوجب كفره ، وقال ابن عابدين : يجب قتل الساحر ولا يستتاب ، وذلك لسعيه في الأرض بالفساد لا بمجرد عمله إذا لم يكن في اعتقاده ما يوجب كفره ، لكن إن جاء تائبا قبل أن يؤخذ قبلت . وذهب المالكية إلى قتل الساحر ، لكن قالوا : إنما يقتل إذا حكم بكفره ، وثبت -