أبي منصور الماتريدي
526
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وسحر لا يكفر به صاحبه ؛ فلا يقتل به ، إلا أن يسعى في الأرض بالفساد : من قتل الناس ، وأخذ الأموال . فهو كقاطع الطريق ، يحكم بحكمهم من القتل وسائر العقوبات ، وإذا تاب قبلت توبته . ألا ترى أن سحرة فرعون لما رأوا الآيات آمنوا بالله - تعالى - وتابوا توبة لا يطمع في
--> - عليه بالبينة لدى الإمام ، فإن كان متجاهرا به قتل وماله فىء إلا أن يتوب ، وإن كان يخفيه فهو كالزنديق يقتل ولا يستتاب ، واستثنى المالكية - أيضا - الساحر الذمي ، فقالوا : لا يقتل ، بل يؤدب . لكن قالوا : إن أدخل الساحر الذمي ضررا على مسلم فيتحتم قتله ، ولا تقبل منه توبة غير الإسلام ، نقله الباجي عن مالك . لكن قال الزرقاني : الذي ينبغي اعتماده أن ذلك يوجب انتقاض عهده ، فيخير الإمام فيه . أما إن أدخل الساحر الذمي ضررا على أحد من أهل ملته فإنه يؤدب ما لم يقتله ، فإن قتله قتل به . وعند الشافعية : إن كان سحر الساحر ليس من قبيل ما يكفر به ، فهو فسق لا يقتل به ما لم يقتل أحدا ويثبت تعمده للقتل به بإقراره . وذهب الحنابلة إلى أن الساحر يقتل حدا ولو لم يقتل بسحره أحدا ، لكن لا يقتل إلا بشرطين : الأول : أن يكون سحره مما يحكم بكونه كفرا مثل فعل لبيد بن الأعصم ، أو يعتقد إباحة السحر ، بخلاف ما لا يحكم بكونه كفرا ، كمن يزعم أنه يجمع الجن فتطيعه ، أو يسحر بأدوية وتدخين ، وسقى شئ لا يضر . الثاني : أن يكون مسلما ، فإن كان ذميا لم يقتل ؛ لأنه أقر على شركه وهو أعظم من السحر ، ولأن لبيد بن الأعصم اليهودي سحر النبي صلى اللّه عليه وسلم فلم يقتله ، قالوا : والأخبار التي وردت بقتل الساحر إنما وردت في ساحر المسلمين لأنه يكفر بسحره . والذمي كافر أصلى فلا يقتل به ، لكن إن قتل بسحر يقتل غالبا ، قتل قصاصا . وشرط آخر أضافه صاحب المغنى : وهو أن يعمل بالسحر ، إذ لا يقتل بمجرد العلم به . ثم قال بعضهم : ويعاقب بالقتل أيضا من يعتقد حل السحر من المسلمين ، فيقتل كفرا ؛ لأنه يكون بذلك قد أنكر مجمعا عليه معلوما من الدين بالضرورة . واحتجوا لقتل الساحر بما روى جندب مرفوعا « حد الساحر ضربة بالسيف » . وبما ورد عن بجالة بن عبدة أن عمر ابن الخطاب كتب : أن اقتلوا كل ساحر وساحرة . وبأن حفصة أمرت بقتل ساحرة سحرتها . وأن معاوية كتب إلى عامله قبل موته بسنة : أن اقتلوا كل ساحر وساحرة ، وقتل جندب بن كعب ساحرا كان يسحر بين يدي الوليد بن أبي عقبة . وذهب الجمهور خلافا للحنفية إلى أن القتل بالسحر يمكن أن يكون عمدا ، وفيه القصاص . ويثبت ذلك عند المالكية بالبينة أو الإقرار . وذهب الشافعية إلى أن الساحر إن قتل بسحره من هو مكافئ له ففيه القصاص إن تعمد قتله به ، وذلك بأن يثبت ذلك بإقرار الساحر به حقيقة أو حكما ، كقوله : قتلته بسحرى ، أو قوله : قتلته بنوع كذا ، ويشهد عدلان يعرفان ذلك ، وقد كانا تابا ، بأن ذلك النوع يقتل غالبا . فإن كان لا يقتل غالبا فيكون شبه عمد . فإن قال : أخطأت من اسم غيره إلى اسمه فخطأ . ولا يثبت القتل العمد بالسحر بالبينة عند الشافعية لتعذر مشاهدة الشهود قصد الساحر وتأثير سحره . قال المالكية والشافعية : يستوفى القصاص ممن قتل بسحره بالسيف ولا يستوفى بسحر مثله ، أي لأن السحر محرم ؛ ولعدم انضباطه . وصرح المالكية بأن الذمي إن قتل بسحره أحدا من أهل ملته فإنه يقتل به . وصرح الشافعية والحنابلة بأن الساحر غير المستحق للقتل ، بأن لم يكن سحره كفرا ولم يقتل بسحره أحدا ، إذا عمل بسحره يعزر تعزيرا بليغا لينكف هو ومن يعمل مثل عمله ، ولكن بحيث لا يبلغ بتعزيره القتل ، على الصحيح من المذهب عند الحنابلة لارتكابه معصية . وفي قول للإمام : تعزيره بالقتل .