أبي منصور الماتريدي
522
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وروى عن ابن عباس « 1 » - رضي الله عنهما - قال : كان آصف كاتب سليمان ، وكان يعلم الاسم الأعظم ، وكان يكتب كل شئ بأمر سليمان ، ويدفنه تحت كرسيه ؛ فلما مات سليمان أخرجته الشياطين ، فكتبوا بين كل سطرين سحرا ، وكفرا ، وكذبا ؛ فقالوا : هذا الذي كان يعمل به سليمان ؛ فأكفره جهال الناس وسبوه ، ووقف علماؤهم ، فلم يزل جهالهم يسبونه ؛ حتى أنزل الله - عزّ وجل - على محمد صلى اللّه عليه وسلم : وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ . . . الآية . وقال بعضهم « 2 » : إن الشياطين ابتدعت كتابا من السحر والأمر العظيم ، ثم أفشته في الناس وعلمته إياهم ؛ فلما سمع بذلك سليمان تتبع تلك الكتب ، فدفنها تحت كرسيه كراهية أن يتعلمها الناس . فلما قبض نبىّ الله سليمان - عليه السلام - عمدت الشياطين إلى تلك الكتب فاستخرجتها من مكانها ، وعلموها الناس ، وأخبروهم أنه علم كان سليمان يكتمه ، ويستأثره ؛ فعذر الله نبيّه سليمان ، وبرأه من ذلك على لسان نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم بقوله تعالى : وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ . . . « 3 » الآية . وقيل أيضا « 4 » : لما مات سليمان - عليه السلام - وقع في الناس أوصاب وأوجاع ؛ فقال الناس : لو كان سليمان - عليه السلام - حيّا لكان عنده من هذا فرج ، فظهرت الشياطين لهم فقالوا : نحن ندلكم على ما كان يعمل به سليمان - عليه السلام - فكتبوا
--> ( 1 ) أخرجه النسائي وابن أبي حاتم كما في الدر المنثور ( 1 / 182 ) . ( 2 ) قاله الربيع ، أخرجه ابن جرير عنه ( 1650 ) . وانظر الدر المنثور ( 1 / 183 ) . ( 3 ) ثبت في حاشية أ : وقيل : معنى السحر : الإزالة وصرف الشئ عن وجهه ، تقول العرب : ما سحرك عن كذا ، أي : ما صرفك عنه ؟ فكأن الساحر لما أرى الباطل في صورة الحق فقد سحر الشئ عن وجهه ، أي : صرفه . هذا أصله من حيث اللغة . وأما حقيقة فقد قيل : إنه عبارة عن التمويه والتخييل ، ومذهب أهل السنة أن له وجودا أو حقيقة ، والعمل به كفر ، وذلك إذا اعتقد أن الكواكب هي المؤثرة في قلب الأعيان ، وروى عن الشافعي : يخيّل ، ويمرض ، وقد يقتل ، حتى أوجب القصاص على من قتل . وقيل : إن السحر يؤثر في قلب الأعيان : فيجعل الإنسان على صورة حمار ، والحمار على صورة الكلب ، وقد يطير الساحر في الهواء . وهذا القول ضعيف عند أهل السنة ؛ لأنهم قالوا : إن الله - تعالى - هو الخالق الفاعل لهذه الأشياء عند عمل الساحر ، وهو الفاعل لها المؤثر فيها . والأصح : أن السحر تخييل الخبل : فساد الأعضاء والفلج . قاموس . ويؤثر في الأبدان بالأمراض والجنون والموت ، ويدل على ذلك أن للكلام تأثيرا في الطبائع ؛ فقد يسمع الإنسان ما يكره فيغمّ ، وقد مات قوم بكلام سمعوه ؛ فالسحر بمنزلة العلل في الأبدان . لباب ابن مازن . ( 4 ) ذكره السيوطي في الدر ( 1 / 183 ) وعزاه لسعيد بن منصور عن خصيف بنحوه .