أبي منصور الماتريدي
523
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
كتبا ، فجعلوها في البيوت ، فاستخرجوا الكتب التي كتبت لهم الشياطين من السحر ، فقالوا : هذا ما كان يعمل به سليمان . فأنزل الله - عزّ وجل - : وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ . . . الآية . فلا ندري كيف كانت القصة ، غير أن اليهود تركت كتب الأنبياء والرسل ، واتبعوا كتب الشياطين وما دعوهم إليه من السحر والكفر ، وبالله التوفيق . وفيه دلالة رسالة محمد صلى اللّه عليه وسلم ؛ بما أخبرهم عن قصتهم - على ما كان - فدل أنه كان عرف ذلك بالله عزّ وجل . وفي ذلك أن قد نسب إلى سليمان ما برأه الله عنه من غير أن يبيّن ماهيّته . ذكره الله عزّ وجل لوجهين : دلالة لرسوله ، وتكذيبا للذين نحلوه بما هو كفر . وقوله : عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ . أي : في ملكه ؛ إذ كان ذلك الوقت هو وقت ظهورهم ، ثم سخّرهم الله لسليمان ، فأمكن ذلك منهم . ألقاه على ألسن المعاندين لسليمان في السّر ؛ فرووه عنه بعد الوفاة ؛ فكذبهم الله - عزّ وجل - وبرأ نبيّه - عليه السلام - عن ذلك ، وبين كيف كان بدؤه . فإنما بينها للخلق ؛ لئلا يتبعوا في الرواية كلّ من لقى النبي « 1 » ؛ إذ قد يكون من أمثالهم : اختراع الرواية ، وإلزام السامعين الأمور المعتادة من الرسل ، ورد ما لا يوافق ذلك من الرواية ؛ ولذلك أبطل أصحابنا خبر الخاصّ فيما يبلى به العام . وقوله : وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ . قيل : وَما أُنْزِلَ على النفي ، والجحد ، معطوفا على قوله : وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ . وقيل : وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ : والذي أنزل على الملكين ببابل . وقيل « 2 » : سميت بابل لما تبلبلت به الألسن ، يعنى : اختلفت ؛ فلا يعلم ذلك إلا بالسمع . ثم اختلف في « هاروت » و « ماروت » . فقال الحسن : لم يكونا ملكين ، ولكنهما كانا رجلين فاسقين متمردين ؛ وذلك أن
--> ( 1 ) في أ : الشئ . ( 2 ) ذكره السيوطي في الدر ( 1 / 184 ) عن أنس في سياق طويل ، وعزاه للدينوري في المجالسة وابن عساكر من طريق نعيم بن سالم عنه .