أبي منصور الماتريدي
521
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقيل : تتلو ؛ من التلاوة . وقيل : ما تتلو : ما يروى الشياطين من السحر . وهو قول ابن عباس - رضي الله عنهما - وهو يرجع إلى واحد . والآية « 1 » في موضع الاحتجاج على اليهود ؛ لأنهم ادعوا : أن الذي هم عليه أخذ عن سليمان عليه السلام ، فإن كان كفرا فقد كفر سليمان . فأخبر الله - عزّ وجل - نبيّه صلى اللّه عليه وسلم : أن سليمان ما كفر ، ولكن الشياطين كفروا بما علّموا الناس من السحر . ويحتمل : لكن أتباع الشياطين كفروا باعتقادهم السحر ، وعملهم به بتعليم الشياطين ، فنسب ذلك إلى الشياطين بما بهم كفروا ، كما نسبت عبادة الأصنام إلى الشياطين بما بهم عبدوا ، والله أعلم .
--> - ظنوا أن حبالهم وعصيهم تسعى ، وقال تعالى : فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى [ طه : 66 ] فأخبر أن ما ظنوه سعيا منها لم يكن سعيا وإنما كان تخييلا ، وقد قيل : إنها كانت عصيّا مجوفة مملوءة زئبقا ، وكذلك الحبال كانت معمولة من أدم محشوة زئبقا ، فأخبر الله أن ذلك كان مموها على غير حقيقته . وذهب جمهور أهل السنة إلى أن السحر قسمان : قسم هو حيل ومخرقة وتهويل وشعوذة وإيهام ليس له حقائق ، أو له حقائق لكن لطف مأخذها ، ولو كشف أمرها لعلم أنها أفعال معتادة يمكن لمن عرف وجهها أن يفعل مثلها ، ومن جملتها ما ينبنى على معرفة خواص المواد والحيل الهندسية ونحوها ، ولا يمنعه ذلك عن أن يكون داخلا في مسمى السحر ، كما قال تعالى : سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ [ الأعراف : 116 ] وهذا ما لم يكن خفاء وجهه ضعيفا فلا يسمى سحرا اصطلاحا ، وقد يسمى سحرا لغة ، كما قالوا : سحرت الصبى بمعنى : خدعته . القسم الثاني : ما له حقيقة ووجود وتأثير في الأبدان . فقد ذهبوا إلى إثبات هذا القسم من حيث الجملة ، وهو مذهب الحنفية على ما نقله ابن الهمام ، والشافعية والحنابلة . واستدل القائلون بتأثير السحر وإحداثه المرض والضرر ونحو ذلك بأدلة : منها قوله تعالى : قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ [ الفلق : 1 - 4 ] والنفاثات في العقد : هن السواحر من النساء . فلما أمر بالاستعاذة من شرهن علم أن لهن تأثيرا وضررا . ومنها قوله تعالى : فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [ البقرة : 102 ] ، ومنها ما ورد أن النبي صلى اللّه عليه وسلم « سحر حتى إنه ليخيل إليه أنه يفعل الشئ وما يفعله » ولذلك قصة معروفة في الصحيح ، وفيها أن الذي سحره جعل سحره في مشط ومشاطة تحت راعوفة في بئر ذروان ، وأن الله أطلعه على ذلك فاستخرجها ، وأنزلت عليه المعوذتان فما قرأ على عقدة إلا انحلت ، وأن الله تعالى شفاه بذلك . ينظر : لسان العرب مادة ( سحر ) ، الجمل على شرح المنهج ( 5 / 100 ، 110 ) ، كشاف اصطلاحات الفنون ( 3 / 648 ) ، كشاف القناع ( 6 / 186 ) . ( 1 ) في أ : ولأنه .