أبي منصور الماتريدي
520
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
أخبر : أنهم نبذوا نبذ من لا يعلم ، لا أنهم لم يعلموا ، ولكن نبذوه ، سفها ، وتعنتا ، والله أعلم . وقوله : وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ . قيل : تتلو : ما كتبت الشياطين من السحر « 1 » .
--> ( 1 ) السحر لغة : كل ما لطف مأخذه ودق ، ومنه قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن من البيان لسحرا » وسحره : أي خدعه ، ومنه قوله تعالى : قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ [ الشعراء : 153 ] أي المخدوعين . ويطلق السحر على أخص من ذلك ، قال الأزهري : السحر : عمل تقرب به إلى الشيطان وبمعونة منه ، كل ذلك الأمر كينونة للسحر . قال : وأصل السحر : صرف الشئ عن حقيقته إلى غيره ؛ فكأن الساحر لما أرى الباطل في صورة الحق ، وخيل الشئ على غير حقيقته ، قد سحر الشئ عن وجهه ، أي : صرفه . اه . وروى شمر : أن العرب إنما سمت السحر سحرا ؛ لأنه يزيل الصحة إلى المرض ، والبغض إلى الحب . وقد يسمى السحر : طبّا ، والمطبوب : المسحور ، قال أبو عبيدة : إنما قالوا ذلك تفاؤلا بالسلامة ، وقيل : إنما سمى السحر طبا ؛ لأن الطب بمعنى الحذق ، فلوحظ حذق الساحر فسمى عمله طبا . وورد في القرآن العظيم لفظ ( الجبت ) ، فسره عمر وابن عباس وأبو العالية والشعبي بالسحر ، وقيل : الجبت أعم من السحر ، فيصدق أيضا على الكهانة والعرافة والتنجيم . أما في الاصطلاح فقد اختلف الفقهاء وغيرهم من العلماء في تعريفه اختلافا واسعا ، ولعل مرد الاختلاف إلى خفاء طبيعة السحر وآثاره ؛ فاختلفت تعريفاتهم له تبعا لاختلاف تصورهم لحقيقته : فمن ذلك ما قال البيضاوي : المراد بالسحر : ما يستعان في تحصيله بالتقرب إلى الشيطان مما لا يستقل به الإنسان ، وذلك لا يحصل إلا لمن يناسبه في الشرارة وخبث النفس . قال : وأما ما يتعجب منه كما يفعله أصحاب الحيل والآلات والأدوية ، أو يريه صاحب خفة اليد فغير مذموم ، وتسميته سحرا هو على سبيل التجوز لما فيه من الدقة ؛ لأن السحر في الأصل لما خفى سببه . اه . ونقل التهانوى عن ( الفتاوى الحامدية ) : السحر : نوع يستفاد من العلم بخواص الجواهر وبأمور حسابية في مطالع النجوم ، فيتخذ من ذلك هيكل على صورة الشخص المسحور ، ويترصّد له وقت مخصوص في المطالع ، وتقرن به كلمات يتلفظ بها من الكفر والفحش المخالف للشرع ، ويتوصل بها إلى الاستعانة بالشياطين ، ويحصل من مجموع ذلك أحوال غريبة في الشخص المسحور . وقال القليوبى : السحر شرعا : مزاولة النفوس الخبيثة لأقوال أو أفعال ينشأ عنها أمور خارقة للعادة . وعرفه الحنابلة بأنه : عقد ورقى وكلام يتكلم به ، أو يكتبه ، أو يعمل شيئا يؤثر في بدن المسحور أو قلبه أو عقله من غير مباشرة له . وقد اختلف العلماء في أن السحر هل له حقيقة ووجود وتأثير حقيقي في قلب الأعيان ، أم هو مجرد تخييل ؟ فذهب المعتزلة وأبو بكر الرازي الحنفي المعروف بالجصاص ، وأبو جعفر الأسترآباذي والبغوي من الشافعية : إلى إنكار جميع أنواع السحر وأنه في الحقيقة تخييل من الساحر على من يراه ، وإيهام له بما هو خلاف الواقع ، وأن السحر لا يضر إلا أن يستعمل الساحر سما أو دخانا يصل إلى بدن المسحور فيؤذيه ، ونقل مثل هذا عن الحنفية ، وأن الساحر لا يستطيع بسحره قلب حقائق الأشياء ؛ فلا يمكنه قلب العصا حية ، ولا قلب الإنسان حمارا . قال الجصاص : السحر متى أطلق فهو اسم لكل أمر مموّه باطل لا حقيقة له ولا ثبات ، قال الله تعالى : قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ [ الأعراف : 116 ] يعنى : موهوا عليهم حتى -