أبي منصور الماتريدي

471

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

نبوته . وذلك أن أهل الكتاب كانوا عرفوا هذه الأنباء بكتبهم ، وكان رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يذكر ذلك بمشهدهم ، كما في كتابهم ، ولم يكن ظهر منه اختلاف إليهم ، ولا درس كتابهم ؛ فدل : أنه بالله عرف ، وكان فيها تسكين قلب رسول الله صلى اللّه عليه وسلم والتصبر عليه ؛ لظهور الخلاف له من قومه ، وترك طاعتهم إياه ، وأن ذلك ليس بأول خلاف كان له من قومه ، ولا أول تكذيب ، بل كان من الأمم السالفة لأنبيائهم ذلك ، فصبروا عليه ؛ فاصبر أنت كما صبروا ؛ كقوله : فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ . . . الآية [ الأحقاف : 35 ] . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 60 إلى 61 ] وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ( 60 ) وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها قالَ أَ تَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ ( 61 ) وقوله : وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ . يعنى : طلب الماء لقومه عند حاجتهم إليه ؛ فأوحى الله - تعالى - إليه : أن اضرب بعصاك الحجر . قد ذكرنا فيما تقدم : أن الله - عزّ وجل - قد أراهم من عصاه آيات عجيبة ، من نحو الثعبان الذي كان يتلقف ما يأفكون ؛ كقوله : فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ [ الشعراء : 45 ] ، وقوله : فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ [ الشعراء : 32 ] . ومن ضربه البحر بها حتى انفلق ؛ كقوله : فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ [ الشعراء : 63 ] . ومن ضربه الحجر بها ، وانفجار العيون منه ، وغير ذلك من الآيات مما يكثر ، ذكرها عزّ وجل من آيات رسالته ، وآيات نبوته . وفيما أرى منها ، من عجيب آياته : دلالة حدوث العالم « 1 » وإبداعه ، لا من شئ ؛

--> ( 1 ) حدوث العالم من ضرورات الدين ، وركنه الركين ؛ لأن حدوث العالم أصل الشرائع ، وقاعدة الدين ، إذ إثبات الخالق والآخرة وبعثة الرسل والأنبياء يتوقف على حدوث العالم ؛ إذ لو لم يكن حادثا بل قديما لا يحتاج إلى وجود الخالق ؛ وإذا لم يوجد الخالق لم يرسل الأنبياء ، ولم تكن الآخرة ؛ لأن الآخرة قائمة على فناء العالم . -