أبي منصور الماتريدي

472

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

لأنه - عزّ وجل - قد أخرج بلطفه ، من حجر يصغر في نفسه - مما يحمل من مكان إلى مكان - من الماء ما يكفى لخلق لا يحصى عددهم إلا الله ، وفجر منه أنهارا ، لكل فريق نهر على حدة .

--> - وقد اعتنى العلماء الأولون بمبحث حدوث العالم ، فبرهنوا على حدوثه وخلقه ، وكان هدفهم من ذلك هدفا دينيّا بحتا ؛ إذ في إثبات ذلك بيان إعجاز الخالق في السنن والقوانين التي يسير عليها الخلق ، من حيث إن الله تعالى يعطى كل مخلوق طبيعته المقدرة له أو ماهيته الخاصة به ، ومن هنا كان خلقه للعالم لحكمة ، ولم يخلقه عبثا . وعلة أخرى ، وهي بيان تهافت كثير من الخلق في القول بقدم الخلق ، وهم كثير بل جمهور المتقدمين والمتأخرين من الفلاسفة على القول بقدم العالم ، ولقد صدق عليهم إبليس ظنه ، فاتبعوه إلا قليلا من المؤمنين . والعالم اسم لما سوى الله تعالى وصفاته من الموجودات ، فالمعدوم ليس من العالم ، وهو شامل السماوات والأفلاك وما فيها ، ويطلق عليها اسم العالم العلوي ، وشامل لما انحط من السماوات والسحاب والأرض ، وما فيها من الهواء ، وما على الأرض من نبات وحيوان وجماد ، وما فيها من بحار وجبال وأنهار وغيرها ، ويطلق عليه اسم العالم السفلى وهو حادث . والعالم في اللغة : عبارة عما يعلم به الشئ ؛ قال الجوهري في الصحاح : « العالم : الخلق » وقال ابن منظور : « والعالم : الخلق كله ، وقيل : هو ما احتواه بطن الفلك » وقال الزبيدي : « والعالم : الخلق كله » . وفي ترتيب القاموس : « والعالم : الخلق كله ، أو ما حواه بطن الفلك » ، وقال الزبيدي في تاج العروس : « وهو في الأصل اسم لما يعلم به كالخاتم لما يختم به ، فالعالم آلة في الدلالة على موجده ، ولهذا أحالنا عليه في معرفة وحدانيته ، فقال : أَ وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ الأعراف : 7 ] ، وقال جعفر الصادق : « العالم : عالمان كبير وهو الفلك بما فيه ، وصغير وهو الإنسان ؛ لأنه على هيئة العالم الكبير ، وفيه كل ما فيه » . قال البغدادي : « . . . وزعم بعض أهل اللغة أن العالم كل ما له علم وحس ، وقال آخرون : إنه مأخوذ من العلم الذي هو العلامة ، وهذا أصح ؛ لأن كل ما في العالم علامة ، ودلالة على صانعه » . والعالم في الاصطلاح : هو عبارة عن كل ما سوى الله من الموجودات ؛ لأنه يعلم به الله من حيث أسماؤه وصفاته . ومن أجمع التعريفات له ما حده به إمام الحرمين الجويني في العقيدة النظامية حيث قال : « العالم : كل موجود سوى الله تعالى ، وهو أجسام محدودة ، متناهية المنقطعات ، وأعراض قائمة بها ، كألوانها ، وهيئاتها ، في تركيبها وسائر صفاتها ، وما شاهدنا منها ، واتصلت به حواسنا ، وما غاب منها عن مدرك حواسنا ، متساوية في ثبوت حكم الجواز لها ، ولا شكل يعاين أو يفرض منا ، صغر أو كبر ، أو قرب أو بعد ، أو غاب أو شهد ، إلا والعقل قاض بأن تلك الأجسام المشكلة ، لا يستحيل فرض تشكلها على هيئة أخرى ، وما سكن منها لم يحل العقل تحركه ، وما تحرك منها لم يحل سكونه ، وما صودف مرتفعا إلى سمك من الجو ، لم يبعد تقدير انخفاضه ، وما استدار على النطاق لم يبعد فرض تداوره ، نائيا عن مجراه ، وترتب الكواكب على أشكالها . . . » . قال البغدادي في أصول الدين : « والعالم عند أصحابنا كل شئ هو غير الله عزّ وجل » . وفي العقائد النسفية : « والعالم : أي ما سوى الله تعالى من الموجودات مما يعلم به الصانع ، يقال : عالم الأجسام ، وعالم الأعراض ، وعالم النبات ، وعالم الحيوان ، فتخرج صفات الله -