أبي منصور الماتريدي

464

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

له . فيكون في ذلك القدر وفاء وتوبة لا حقيقة القتل ، والله أعلم . والثاني : يجوز ذلك ؛ لأن عقوبات الدنيا وثوابها محنة ، لجواز الامتحان بعد التوبة والرجوع إلى طاعة الله ؛ لأنها دار محنة . وأما عقوبات الآخرة وثوابها فليستا بمحنة ؛ لأنها ليست بدار امتحان ؛ لذلك : جاز التعذيب في الدنيا بعد التوبة ، ولم يجز في الآخرة إذا مات على التوبة ، والله أعلم . ثم قيل في قوله : فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ، بوجوه : قيل : أمروا ببذل الأنفس للقتل ، والتسليم له ؛ فصاروا كأن قد قتلوا أنفسهم . ويجوز أن يكون الأمر بقتل أنفسهم أمرا بمجاهدة الأعداء ، وإن كان فيها تلفهم على ما قال : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ . . . الآية [ التوبة : 111 ] مذكور ذلك في التوراة . وكذا قوله : لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ [ البقرة : 84 ] نهى عن القتل الذي فيه قتل أنفسهم . وقد قيل في قوله : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [ النساء : 29 ] بمعنى : أي لا تقتلوا من تقتلون ، فكأنما قد قتلتم أنفسكم ، وعلى هذا التأويل خرّج أبو بكر قوله : وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [ النساء : 66 ] . والله الموفق . وقيل « 1 » : أمر بعضا بقتل بعض ، كقوله : فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً [ النور : 61 ] أي : يسلم بعضهم على بعض . وقيل : أمر كلّ من عبد العجل بقتل نفسه ، والله أعلم . وقوله : ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ . قيل : إن التوبة خير لكم عند خالقكم . وقيل « 2 » : قتلكم أنفسكم خير لكم من لزوم عبادة العجل . ويحتمل : عبادة الرب - عزّ وجل - خير لكم من عبادة العجل ، والله أعلم . وقوله : فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ . وقد ذكرنا المعنى في ذلك فيما تقدم . وفي بذل أنفسهم للقتل ، والصبر عليه ، وكف أيديهم عن الدفع ، والممارسة - فيه وجهان :

--> ( 1 ) تقدم عن ابن عباس ، وأخرجه ابن جرير عن مجاهد ( 939 ، 940 ) وانظر الدر المنثور ( 1 / 135 ) . ( 2 ) قاله ابن جرير ( 1 / 328 ) .