أبي منصور الماتريدي

465

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

أحدهما : أنه كأنهم طبعوا على أخلاق البهائم والدواب . وذلك أن موسى صلى اللّه عليه وسلم استنقذهم من خدمة فرعون وآله ، ونجاهم من الشدائد التي كانت عليهم ، ولحوق الوعيد بهم ، وأراهم من الآيات العجيبة : من آية العصا ، واليد البيضاء ، وفرق البحر ، وإهلاك العدو فيه ، وتفجير الأنهار من حجر واحد ، وغير ذلك من الآيات ما يكثر ذكرها ، أن لو كانت واحدة منها لكفتهم ، ودلتهم على صدقه ونبوته . ثم - مع ما أراهم من الآيات - إذا فارقهم ، دعاهم السامري إلى عبادة العجل ، واتخاذه إلها ، كقوله : هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ [ طه : 88 ] فأجابوه إلى ذلك ، وأطاعوه . وكان هارون - صلوات الله على نبينا وعليه - فيهم ، يقول : يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي [ طه : 90 ] ، فلم يجيبوه ولا صدقوه ، ولا اكترثوا إليه ، مع ما كان هارون من أحب الناس إليهم . فلو لا أنهم كانوا مطبوعين على أخلاق البهائم والدواب ، وإلا ما تركوا إجابته ، ولا عبدوا العجل ، مع ما أروا من الآيات التي ذكرنا . فإذا كان إلى هذا يرجع أخلاقهم لم يبالوا ببذل أنفسهم للقتل ، والله أعلم ، ونحو ذلك قوله : قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ [ الأعراف : 138 ] . وعلى ذلك جعلت آيات موسى كلها حسية لا عقلية ؛ إذ عقولهم كادت تقصر عن فهم المحسوس ودركه ، فضلا عن المستدل عليه ، والله أعلم . والثاني : يحتمل أن أروا ثواب صبرهم على القتل في الآخرة ، وجزيل جزائهم ، وكريم مآبهم ؛ فهان ذلك عليهم وخف . كما روى أن امرأة فرعون لما علم فرعون - لعنه الله - بعبادتها ربها ، وطاعتها له ، أمر أن تعاقب بأشد العقوبات ، ففعل بها فضحكت في تلك الحال ، لما أريت مقامها في الجنة ، وكريم مآبها ؛ فهان ذلك عليها وسهل . فعلى ذلك يحتمل بذل هؤلاء أنفسهم للقتل ، والصبر عليه لذلك ، والله أعلم . وقوله : وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً . قال بعضهم « 1 » : قال الذين اختارهم موسى - وكانوا سبعين رجلا - لن نصدقك بالرسالة والتوراة حتى نرى الله جهرة ، يخبرنا أنّه أنزلها عليك .

--> ( 1 ) ذكره السيوطي في الدر ( 1 / 136 ) وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس بنحوه .