أبي منصور الماتريدي

458

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

--> - وأما الشفقة الراجعة إلى اختياره فإنها إن وجدت صح له أن يمن على أولاده بها ، ويستحق منهم الشكر على حصولها . وحالة الأصلح الواجب على الله مثل الشفقة الجبلية ؛ لأن كلا منهما لازم للذات لا يمكن تركه فلا يمن الفاعل ولا يستحق شكرا ، وبذلك تم الدليل . وهذا الدليل ملزم للبصريين جميعا ؛ لأنه مفروض في مؤمن هداه الله إلى الإيمان ، فقد فعل الله به الأصلح الواجب على كلا المذهبين . الدليل الثالث : لو كان الأصلح واجبا على الله لما كان امتنانه على النبي فوق امتنانه على أبى جهل لأن الله - عزّ وجل - قد فعل بكل منهما غاية مقدوره بأن عرضهما للنعيم بعد خلقهما وبقائهما سليمين فهما مستويان في هذا ، والله فعل الواجب عليه في حقهما فلم يصح أن تكون هناك منة أكثر على النبي ، هذا باطل لأن الله تعالى قد امتن على النبي أكثر بنص القرآن . وقد نوقش هذا الدليل أولا : بأنه لا لزوم له بعد الدليل الثاني ؛ لأن الدليل الثاني نفى أصل المنة على مقتضى مذهب الخصوم فلا تكون هناك كثرة منة من باب أولى . ويجاب عن هذه المناقشة بأن هذا الدليل مبنى على تسليم أصل المنة فهو دليل مستقل بغض النظر عن الدليل الثاني . ونوقش هذا الدليل ثانيا بأن كثرة الامتنان على النبي لكثرة العطاء الواصل إليه من إرساله إلى الخلق وكونه خاتم المرسلين . ويجاب عن هذه المناقشة بأن الكلام في الأصلح الواجب عليه من التعريض لأعلى المنزلتين فلا تكون هناك منة ولا كثرة من باب أولى ، يقول الشيخ صالح شرف : ولكن للمعتزلة أن يقولوا : إن هذه الكثرة على الرسالة التي هي غير أصلح لا على التعريض الواجب عليه . والحق أن هذا الدليل لا يتم ، وعلى فرض تمامه هو ملزم لغير الجبائي لأن الجبائي ملزم بخلق نفس أبى جهل . الدليل الرابع : لو كان يجب على الله تعالى فعل الأصلح لما كان لسؤال العصمة والتوفيق وكشف الضراء والبسط في الخصب والرخاء معنى ، وهذا باطل ، فبطل ما أدى إليه . وقد نوقش هذا الدليل بما يلي : أولا : إن قوله ( والبسط ) زيادة في الدليل . ثانيا : إن العصمة ليست من الأصلح الواجب ؛ لأنه على مذهب الجبائي الأصلح الواجب هو الإيمان ، وأما على مذهب جمهور البصريين فالأصلح الواجب هو خلق العبد وبقاؤه سليم الحواس وتعريضه لأعلى المنزلتين ، فالعصمة أمر زائد على الأصل الواجب ؛ فيصح طلبها نعم إن التوفيق الذي هو خلق الهداية في العبد أصلح للعبد في دينه فيجب على الله فلا معنى لطلبه لأنه حاصل على مقتضى مذهب الجبائي . إنه ينبغي ألّا يحتجّ بهذا الدليل على المعتزلة ؛ لأنهم لا يقولون بالدعاء ولا ينفعه ، ومن ثم فإن الاحتجاج عليهم بهذا الدليل هو احتجاج بما لا يسلمونه ، أي : أن المحتج يحتج بما يسلمه هو ويراه صحيحا ، لا ما يراه خصمه ويسلم به . والأولى في الاستدلال أن يكون بما يسلم به الخصم . وقد أجيب عن هذه المناقشة بأنه لما ثبت بالدليل القاطع نفع الدعاء ، لزم أن يكون نفعه مذهبا للخصم ولا عبرة بعدم قيام النصوص المؤيدة له بإنكارهم . الدليل الخامس : استدل أهل السنة كذلك على مذهبهم بأن الأصلح لو كان واجبا على الله لما بقي في قدرة الله تعالى شئ بالنسبة إلى مصالح العباد ، لأن الله تعالى بذلك يكون قد أتى بالواجب عليه ولا يستطيع أن يفعل خلافه ، وهذا باطل ؛ لما فيه من تحديد القدرة والمقدورات وأن القدرة لا يمكنها أن -