أبي منصور الماتريدي

457

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

فإذا كان هذا ما وصفنا دلّ أن ليس على الله أن يفعل الأصلح لهم في الدين « 1 » ، وبالله التوفيق .

--> ( 1 ) ذهب أهل السنة إلى : أن الأصلح للعبد غير واجب على الله تعالى ، فيجوز ترك هذا الأصلح والعدول عنه إلى غيره إذا كانت هناك حكمة تقتضى هذا الترك كما هو مذهب الماتريدية القائلين : إن أفعال الله تعالى لا تخلو عن الحكمة ؛ لأن خلو الفعل عن مطلق الحكمة عبث يتنزه الله تعالى عنه ، فمراعاة الحكمة لا بد منها عندهم لكنهم يتأدبون مع الله تعالى فلا يعبرون عن مرادهم بقولهم ( يجب ) كما أنهم لا يقولون بوجوب مراعاة حكم خاصة . أما الأشاعرة فيقولون : يجوز لله - سبحانه وتعالى - ترك الأصلح مطلقا ولو لم تقتض الحكمة تركه لأن الله لا يجب عليه شئ ، لا حكم خاصة ، ولا مطلق الحكم ، بخلاف الماتريدية يقولون لا بد من مراعاة مطلق الحكم . فإن قيل : كيف يقول الماتريدية ذلك مع أنهم صرحوا أيضا بأن الله لا يجب عليه شئ . فالجواب : أنهم إنما قالوا ذلك لأنهم ينفون الوجوب في الخصوصيات من اللطف والأصلح للعبد والثواب والعقاب ، فلا ينافي أنهم يقولون لا بد من مراعاة مطلق الحكم . هذا ولأهل السنة خمسة أدلة يستدلون بها على مذهبهم من عدم وجوب الأصلح على الله عزّ وجل : الدليل الأول : أن الأصلح ليس بواجب على الله ، وإلا لما خلق الكافر الفقير المعذب في الدنيا والآخرة ، قال الشيخ صالح شرف : ونوقش هذا الدليل : بأن قولهم « الفقير المعذب في الدنيا » لا حاجة إليه في الدليل لأن الخصم لا يقول بوجوب الأصلح للعبد في الدنيا . ثم إن هذا الدليل لا يلزم جمهور البصريين من المعتزلة ؛ لأن مذهبهم أن ما فعله الله عزّ وجل بالكافر من خلقه وبقائه سليم الحواس وتعريضه لأعلى المنزلتين هو الأصلح له في دينه ، لكن هذا الدليل يلزم الجبائي فقط ؛ لأنه يقول : إن الأصلح للكافر عدم خلقه أو إماتته وإن شئت إلزام جمهور البصريين فقل في الدليل : لو كان الأصلح واجبا على الله لما أمات الطفل أو أجن العاقل . الدليل الثاني : أن الأصلح لو كان واجبا على الله لترتب عليه ألا يكون لله - عزّ وجل - منة على العباد ولما استحق الشكر على الهداية وإفاضة أنواع الخيرات ، لكن هذا باطل لأن الله - عزّ وجل - قد من على المؤمنين بقوله لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [ آل عمران : 164 ] وقال أيضا بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ [ الحجرات : 17 ] وقال وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ [ البقرة : 152 ] ؛ فلما ثبتت المنة علينا من الله عزّ وجل وبان أنه يستحق الشكر بطل القول بوجوب الأصلح عليه تعالى ؛ لأنه لو كان واجبا عليه ، لما أمكنه أن يتركه ، والفاعل لما لا يقدر على تركه لا يستحق أن يشكر عليه . وقد نوقش هذا الدليل بما يلي : أولا : أن قوله : « وإفاضة أنواع الخيرات » لا حاجة إلى ذكره في الدليل لأن هذا متعلق بالدنيا ، وأجيب عن هذا بأن الزيادة على الدعوى لا تضر إنما المضر نقص الدليل . ونوقش الدليل ثانيا بأن المنة واستحقاق الشكر لا ينافيان وجوب فعل الأصلح فيكون فعل الأصلح واجبا على الله ، ويمن ويشكر عليه ، بدليل أن الوالد شفقته على أولاده واجبة لا يمكنه تركها ويمن عليهم ويستحق منهم الشكر . وأجيب عن ذلك بأنه قياس مع الفارق ؛ لأن الوالد له حالتان : شفقة راجعة إلى أصل طبعه وجبلته لا يمكن تركها ، وشفقة راجعة إلى اختياره يمكنه تركها ، وهو لا يمن على ولده بالنوع الأول ولا يستحق شكرا على حصول هذه الشفقة الجبلية منه لأنها لازمة لذاته لا يمكنه تركها ، -