أبي منصور الماتريدي
449
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
للرؤساء منهم بقوله : أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ إلى قوله : وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ والله أعلم . ويحتمل : أن اصبروا على ترك الرئاسة لمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، والانقياد والخضوع له ، لما بيّن لكم من الثواب في الآخرة لمن آمن به وأطاعه ، وترك الرئاسة له . ويحتمل : أن اصبروا على المكاره وترك الشهوات ؛ بأن الجنة لا تدرك إلا بذلك ؛ لما جاء : « حفت الجنة بالمكاره ، والنار بالشهوات » « 1 » . ويحتمل : أن استعينوا بالصوم والصلاة على أدائهما . لكن هذا يرجع إلى المؤمنين ، والآية نزلت « 2 » في رؤساء بني إسرائيل ، دليله قوله : وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ . وإنما يصلح هذا التأويل في قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا . . . الآية [ البقرة : 153 ] . وقوله عزّ وجل : وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ . يخرّج - والله أعلم - على ما ذكرنا من ترك الرئاسة ، والمأكلة في الدنيا ، إنها لكبيرة عليهم إلا على الخاشعين ، فإنها غير كبيرة ، ولا عظيمة عليهم . ويحتمل : أنّ ترك الرئاسة لمحمد صلى اللّه عليه وسلم والانقياد له ، والخضوع - لثقيل إلا على الخاشعين ؛ فإنه لا يثقل ذلك عليهم ، ولا يكبر . ويحتمل أن يقال : إن الصبر على الطاعة ، وأداء هذه الفرائض كبيرة على المنافقين إلا
--> ( 1 ) أخرجه مسلم ( 4 / 2174 ) كتاب الجنة باب صفة نعيمها ، حديث ( 1 / 2822 ) والترمذي ( 4 / 693 ) ، كتاب صفة الجنة ، باب ما جاء « حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات » ، حديث ( 2559 ) ، وأحمد ( 3 / 153 ، 254 ، 284 ) ، وأبو يعلى ( 6 / 33 ) ، رقم ( 3275 ) ، وابن حبان ( 716 ، 718 ) ، والبيهقي في ( الشعب ) ( 7 / 147 ) رقم ( 9795 ) والخطيب في ( تاريخ بغداد ) ( 8 / 184 ) ، والبغوي في ( شرح السنة ) ( 7 / 331 ) من حديث أنس بن مالك به مرفوعا ، وقال الترمذي : حسن صحيح غريب . وله شاهد من حديث أبي هريرة : أخرجه البخاري ( 11 / 327 ) كتاب الرقاق ، باب حجبت النار بالشهوات ، حديث ( 6487 ) ، ومسلم ( 4 / 2174 ) ، كتاب الجنة ، حديث ( 1 / 2823 ) ، وأحمد ( 2 / 260 ) ، وابن حبان ( 719 ) ، كلهم من طريق أبى الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة به . وعند البخاري : ( حجبت ) بدلا من ( حفت ) . وأخرجه القضاعي في مسند الشهاب ( 567 ) من طريق مالك عن سمى عن أبي صالح عن أبي هريرة به . ( 2 ) هذا يفهم من سياق الآية السابقة فإن ابن جرير أخرجه عن ابن عباس ( 840 ، 841 ) أن الخطاب لبنى إسرائيل ، وبمثله عن السدى ( 842 ) وقتادة ( 843 ) وابن زيد ( 845 ) .