أبي منصور الماتريدي
427
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
جهة الإيثار ، ولكن إشفاقا عليه ورحمة . ويحتمل أيضا النهى عن التناول من الشئ على جهة الحرمة ، فإذا كان ممكنا هذا محتملا حمل آدم وحواء على التناول منها لما اشتبه عليهما ، ولم يعرفا معنى النهى بأنه نهى حرمة ، أو نهى إيثار غيره عليهما ، أو نهى داء ؛ لأنهما لو كانا يعلمان أن ذلك النهى نهى حرمة لكانا لا يأتيان ولا يتناولان ، وبالله التوفيق . ثم في الآية دلالة على أن الحال التي يكون فيه الإنسان في سعة ورغد يشتد على الشيطان اللعين ؛ لأنه إنما تعرض لآدم وحواء بالوسوسة التي وسوس إليهما ليزيل تلك الحال عنهما . وإنما يبلى بالسعة ، والرخاء ثم لما لحقته من الشدائد والبلايا مما كسبت أيدينا ؛ لقوله : وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [ الشورى : 30 ] . ثم الآية ترد على بعض المتقشفة قولهم بتحريم الطيبات والزينة . وقوله : فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ . أي : الضّارّين « 1 » ؛ لأن كل ظالم ضارّ نفسه في الدارين جميعا . وقوله : فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها . أي : دعاهما ، وزين لهما إلى سبب الزلة والإخراج عنها ، لا أن تولى إخراجهما وإزلالهما . وقد ذكرنا أن الأشياء تسمى باسم أسبابها ، أو الأسباب باسم الأشياء . وذلك ظاهر معروف في اللغة ، غير ممتنع تسمية الشئ باسم سببه . ثم تكلموا فيما أصاب آدم من الشجرة ، وفي جهة النهى عنها : فقال قوم : أكل منها وهو ناس لعهد الله نسيان ترك الذكر . وأبى ذلك قوم واحتج الحسن بأن نسيانه نسيان تضييع واتباع الهوى ، لا نسيان الذكر بأوجه : أحدها : ما جرى في حكم الله - تعالى - من العفو عن النسيان الذي هو ترك الذكر ، وألا يلحق صاحبه اسم العصيان ، وقد عوقب هو به ، ونسب إلى العصيان بقوله : وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى [ طه : 121 ] مع ما تقدم القول فيه أن يكونا من الظالمين . والثاني : أنّ عدوّه قد ذكّره لو كان ناسيا ؛ حيث قال : ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ . . . الآية [ الأعراف : 20 ] .
--> ( 1 ) ذكره البغوي في تفسيره ( 1 / 63 ) .