أبي منصور الماتريدي
428
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقوله : وَقاسَمَهُما [ الأعراف : 21 ] . وقوله : فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ [ الأعراف : 22 ] . ولو كان نسيان الذكر لم يكونا ليغترا بالقسم والإغواء عن ذلك ، ولا وصفا بأن استزلهما الشيطان ونحو ذلك . فثبت أنه كان نسيان تضييع ، وذلك كقوله : وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى [ طه : 126 ] ، وقوله : فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا [ الأعراف : 51 ] ، وغير ذلك مما ذكر فيه النسيان ومعناه التضييع ، سمى به لما كان كل منسىّ متروكا ، وترك اللازم تضييع ، أو بما ينسى به ويغفل عما يحل به من نعمة الله ، فسمى به كما وصف ذنب المؤمن بجهالة الجهلة بما يحل به لا بجهله بحقيقة فعله . أو سمى به من حيث لا يقصد بذلك عصيان الرب أو طاعة الشيطان . وإلى ذلك يصرف بعض وجوه النسيان ، لا حقيقته . ومن يقول : بأنه كان على النسيان فهو يخرّج النسيان على وجوه : أحدها : أنه لكثرة ما كان بينه ، وبين عدوه من التراجع اشتغل قلبه بوجوه الدفاع له ، والفكر في الأسباب التي بها نجاته ، ويتخلص من مكايده ، حتى أنساه ذلك ذكر العهد . والسبب الذي يدفع الأشياء عن الأوهام في الشاهد كثرة الاشتغال ، وإنما كان النسيان عدوّا في الأمور وسببا للعفو ؛ لأنه لا يخرج الآخذ به عن الحكمة ، وذلك معلوم في الشاهد ، أن من أقبل على أمر ، وأخذ في تحفظه وتذكره عمل عليه ذلك ، وإذا أحب ذلك مع الاشتغال بغيره من الأمور صعب عليه ، بل الغالب في مثله الخفاء . وجائز معاتبة آدم مع ذلك وتسميته عصيانا بأوجه : أحدها : أنه لم يكن امتحن بأنواع مختلفة يتعذر عليه وجه الحفظ في ذلك . وإنما امتحن بالانتهاء عن شجرة واحدة بالإشارة إليها ؛ فجائز ألا يعذر في مثله . وكذلك النسيان فيما يعذر في الشاهد ، إنما يعذر في النوع الذي يبلى به ، وتكثر به النوازل . ألا ترى أنه يعذر بالسلام في الصلاة « 1 » ، وترك التسمية في الذبيحة « 2 » ونحو ذلك ، ولا
--> ( 1 ) السلام على المصلى سنة عند المالكية وجائز عند الحنابلة ، فقد سئل أحمد عن الرجل يدخل على القوم وهم يصلون : أيسلم عليهم ؟ قال : نعم . وأما رد السلام من المصلى فقد ذكر الحنفية - كما في ( الهداية ) - أنه لا يرد السلام بلسانه ؛ لأنه كلام ، ولا بيده ؛ لأنه سلام معنى ، حتى لو صافح بنية التسليم تفسد صلاته . وذكر صاحب ( فتح القدير ) أن رد المصلى السلام بالإشارة مكروه وبالمصافحة مفسد . ثم إن المصلى لا يلزمه رد السلام لفظا بعد الفراغ من الصلاة ، بل يرد في نفسه في رواية عن أبي حنيفة . وفي رواية أخرى عنه أنه يرد بعد الفراغ ، إلا أن أبا جعفر قال : تأويله : إذا لم يعلم أنه في الصلاة . وعند محمد يرد بعد الفراغ ، وعن أبي يوسف : لا يرد ، لا قبل الفراغ ولا بعده في نفسه . وذكر المالكية أن المصلى لا يرد السلام باللفظ ، فإن رد عمدا أو جهلا بطل . ورده باللفظ سهوا يقتضى سجود السهو ، بل يجب عليه أن يرد السلام بالإشارة ، خلافا للشافعية القائلين بعدم وجوب الرد عليه . وذهب الحنابلة إلى أن رد المصلى السلام بالكلام عمدا يبطل الصلاة . ورد المصلى السلام بالإشارة مشروع عند الحنابلة . وأما ابتداء المصلى السلام على غيره وهو في الصلاة بالإشارة بيد أو رأس فيجوز عند المالكية فقط ، ولا يلزمه السجود لذلك . ينظر : جواهر الإكليل ( 1 / 251 ) ، المغنى ( 2 / 60 - 61 ) ، كشاف القناع ( 1 / 241 ) ، الهداية وفتح القدير ( 1 / 173 ، 291 - 292 ) . ( 2 ) ذهب الحنفية والمالكية والحنابلة في المشهور عندهم إلى أن التسمية واجبة عند الذبح ؛ لقوله تعالى : وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ [ الأنعام : 121 ] ولا تجب التسمية على ناس ، ولا أخرس ، ولا مكره ، ويكفى من الأخرس أن يومئ إلى السماء ؛ لأن إشارته تقوم مقام نطق الناطق . وذهب الشافعية ، وهو رواية عن أحمد إلى أن التسمية سنة عند الذبح ، وصيغتها أن يقول : « باسم الله » عند الفعل ؛ لما روى البيهقي في صفة ذبح النبي صلى اللّه عليه وسلم لأضحيته : ضحى النبي صلى اللّه عليه وسلم أتى بكبشين أملحين أقرنين عظيمين موجوأين ، فأضجع أحدهما فقال : « بسم الله والله أكبر ، اللهم هذا عن محمد ، ثم أضجع الآخر فقال : بسم الله والله أكبر ، اللهم هذا عن محمد وأمته ممن شهد لك بالتوحيد ، وشهد لي بالبلاغ » . ويكره عند الشافعية تعمد ترك التسمية ، ولكن لو تركها عمدا يحل ما ذبحه ويؤكل ؛ لأن الله - تعالى - أباح ذبائح أهل الكتاب بقوله تعالى : وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ [ المائدة : 5 ] وهم لا يذكرون التسمية ، وأما قوله تعالى : وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ [ الأنعام : 121 ] فالمراد ما ذكر عليه غير اسم الله ، أي : ما ذبح للأصنام ، بدليل قوله تعالى : وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [ المائدة : 3 ] وسياق الآية دال عليه ؛ فإنه قال : وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ [ الأنعام : 121 ] ، والحالة التي يكون فيها فسقا هي الإهلال لغير الله تعالى . ينظر : حاشية ابن عابدين ( 5 / 190 - 192 ) ، جواهر الإكليل ( 1 / 212 ) ، شرح الزرقاني ( 2 / 73 ) ، المقنع ( 3 / 540 ) ، المغنى ( 8 / 565 ، 581 ، 582 ، 583 ) .