أبي منصور الماتريدي

406

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

تشبيها . لكن ذلك وهم عندنا ؛ لأن الله تعالى هو الأول بذاته ، والآخر بذاته ، والباقي بذاته ، والجنة وما فيها باقية بغيرها . ولو كان فيما ذكر تشبيه لكان في العالم ، والسميع ، والبصير تشبيه ، ولكان في الخلق أيضا في حال البقاء تشبيه ، فإذا لم يكن فيما ذكرنا تشبيه لم يكن فيما تقدم تشبيه . وأيضا : فإن الله تعالى جعل الجنة دارا مطهرة من المعايب كلها ؛ لما سماها دار قدس ، ودار سلام . ولو كان آخرها للفناء كان فيها أعظم المعايب ؛ إذ المرء لا يهنأ بعيش إذا نغص عليه بزواله ؛ فلو كان آخره بالزوال كان نعمة منغصة على أهلها ؛ فلما نزه عن العيوب كلها - وهذا أعظم العيوب - لذلك كان التخليد لأهلها أولى بها . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 26 إلى 29 ] إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ ( 26 ) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ( 27 ) كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 28 ) هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 29 ) وقوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها . كأن هذا - والله أعلم - يخرج جوابا على أثر قول قاله الكفرة لرسول الله صلى اللّه عليه وسلم - على ما ذكره بعض أهل التأويل - فقالوا « 1 » : ما يستحى ربك أن يذكر البعوض والذباب ونحوها مما يصغر في نفسه ، وملوك الأرض لا يذكرون ذلك ، ويستحيون ؟ فقال عزّ وجل جوابا لقولهم : إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي . . . الآية . لأن ملوك الأرض إنما ينظرون إلى هذه الأشياء بالاستحقار لها ، والاستذلال ؛ فيستحيون ذكرها على الإنكاف ، والأنفة . والله - عزّ وجل - لا يستحيى عن ذلك ؛ لأن الأعجوبة في الدلالة على وحدانية الله تعالى وربوبيته في خلق الصغير من الجثة والجسم ، أكبر من الكبار منها والعظام ؛ لأن

--> ( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 557 ، 558 ) عن قتادة بنحوه ، وانظر الدر المنثور ( 1 / 88 ) .