أبي منصور الماتريدي
407
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
الخلائق لو اجتمعوا على تصوير صورة من نحو البعوض والذباب ، وتركيب ما يحتاج إليه من الفم والأنف والرجل واليد والمدخل والمخرج - ما قدروا ، ولعلهم يقدرون على ذلك في العظام من الأجسام والكبار منها . فأولئك لم ينظروا إليها لما فيه من الأعجوبة واللطافة ، ولكن نظروا للحقارة ، والخساسة أنفا منهم وإنكافا . ثم اختلف أهل الكلام في إضافة الحياء إلى الله تعالى : فقال قوم : يجوز ذلك بما روى في الخبر : « أن الله يستحيى أن يعذب من شاب في الإسلام » « 1 » ولأنه يجوز كالتكبر ، والاستهزاء ، والمخادعة ، وقد ذكرنا الوجه فيما تقدم . وقال آخرون : لا يجوز إضافته إلى الله تعالى ؛ لأن تحته الإنكاف والأنفة ، وذلك عن الله تعالى منفىّ ، ولكن الحياء هو الرضاء هاهنا ، والحياء الترك ؛ أي : لا يترك ولا يدع . وقوله : فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ . أي : علموا أن ضرب المثل بما ذكر من صغار الأجسام والجثة حق ؛ لما نظروا إلى ما فيها من الأعجوبة والحكمة واللطافة . وقوله : وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا . لم ينظروا فيها لما فيها من الأعجوبة والحكمة ، ولكن نظروا للخساسة والحقارة . وقوله : يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً . الآية تنقض على المعتزلة قولهم ؛ لأنه جواب قولهم : ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا فقال : أراد أن يضل بهذا المثل كثيرا ، وأراد أن يهدى به كثيرا ، أضل به من علم منه أنه يختار الضلالة ، ويهدى به من علم أنه يختار الهدى ، أراد من كل ما علم منه أنه يختار ويؤثر ، والله أعلم . وهم يقولون : بل أراد أن يهدى به الكلّ ، ولكنهم لم يهتدوا . والثاني : يضلّ به كثيرا ؛ أي : خلق فعل الضلالة من الضال ، وخلق فعل الاهتداء من المهتدى . وقد ذكرنا فيما تقدم . وقوله : وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ .
--> ( 1 ) ذكره العجلوني في كشف الخفاء ( 1 / 284 ) بلفظ : « إن الله يستحيى أن يعذب شيبة شابت في الإسلام » . وقال : هكذا ذكره الغزالي في الدرة الفاخرة ، ورواه السيوطي في الجامع الكبير عن ابن النجار بسند ضعيف بلفظين آخرين . . . فذكرهما .