أبي منصور الماتريدي
402
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
كل طاقتهم على إطفاء النور ليخرج قولهم على الصدق بأنه مختلق مفترى ، ويظهر كذب الرسول صلى اللّه عليه وسلم : أنه كلام رب العالمين . فدل إقرارهم بالعجز عن إتيان مثله ، وترك اشتغالهم بذلك : أنه كلام رب العالمين ، منزّل على نبيه ورسوله صلى اللّه عليه وسلم . وقوله : فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ . الوقود بالنصب هو الحطب ، وبالرفع هو النّار . أخبر عزّ وجل أن حطبها الناس كلما احترقوا أعيدوا وبدّلوا ؛ كقوله : كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها [ النساء : 56 ] . والحجارة فيه وجهان : قيل « 1 » : هي الكبريت . وقيل : الحجارة بعينها لصلابتها ، وشدتها أشد احتراقا ، وأكثر إحماء . وقوله : أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ . في الآية دلالة أنها لم تعدّ لغير الكافرين . وهي تنقض على المعتزلة قولهم حيث خلدوا صاحب الكبيرة في النار ، ولم يطلقوا له اسم الكفر ، وفي زعمهم أنها أعدت للكافرين أيضا ، وإن كان تعذيب المؤمن بمعاصى يرتكبها ، وأوزار حملها ، وفواحش تعاطاها ؛ وذلك أن الله يعذب من يشاء بما شاء ، وليس إلى الخلق الحكم في ذلك ؛ لقوله : وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً [ الكهف : 26 ] . فإن قالوا : إن أطفال المشركين في الجنة ، والجنة لم تعدّ لهم ، وإنما أعدت للمؤمنين ، ثم جاز دخول غيرهم فيها وتخليدهم . وكذلك النّار وإن كانت معدة للكافرين ، جاز لغير الكافر التعذيب والتخليد فيها ، كقوله : فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ . . . الآية [ آل عمران : 106 ] شرط الكفر بعد الإيمان . ثم من ينشأ على الكفر ، والذي كفر بعد الإيمان سواء في التخليد ، فكذلك مرتكب الكبيرة ، والكافر ، سواء في التخليد . فيقال لهم : إن كل كافر تشهد خلقته على وحدانية ربه ؛ فإذا ترك النظر في نفسه ، واختار الاعتناد فصار ككفر بعد الإيمان ؛ لأنه لم يكن مؤمنا ثم كفر . وأما قولهم في الأطفال ؛ فإنهم إنما خلّدوا الجنة جزاء لهم من ربهم ، ولله أن يعطى
--> ( 1 ) أخرجه ابن جرير عن ابن مسعود ( 503 ، 504 ، 507 ) ، وابن عباس ( 505 ) ، وابن جريج ( 506 ) . وانظر الدر المنثور ( 1 / 78 ) .