أبي منصور الماتريدي
403
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
الجزاء من شاء بلا فعل ، ولا صنع كان منه ؛ فضلا وكرامة ، وذلك في العقل جائز إعطاء الثواب بلا عمل على الإفضال والإكرام . وأما التعذيب فإنه غير جائز في العقل بلا ذنب يرتكبه ، والله أعلم . وقوله : وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ . الآية تنقض قول من جعل جميع الطاعات إيمانا ؛ لما أثبت لهم اسم الإيمان ، دون الأعمال الصالحات ، غير أن البشارة لهم ، وذهاب الخوف عنهم إنما أثبت بالأعمال الصالحات . ويحتمل : الأعمال الصالحات : عمل القلب ، وهو أن يأتي بإيمان خالص لله ، لا كإيمان المنافق بالقول دون القلب . وقوله : أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ . يعنى بساتين . وقوله : مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ قيل فيه بوجوه : قيل : إن البساتين ليست هي اسم الأرض والبقعة خاصة ، ولكن ما يجمع من الأشجار ، وما ينبت فيها من ألوان الغروس المثمرة فعند ذلك يسمى بستانا . وقوله : تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أي : من تحت أشجارها ، وأغراسها الأنهار . وقيل : من تحتها : مما يقع البصر عليها ، وذلك أنزه عند الناس ، وأجلى ، وأنبل . وقيل أيضا : من تحتها أي : من تحت ما علا منها [ من القصور والغرف ] « 1 » ، لا تحت الأرض مما يكون في الدنيا في بعض المواضع يكون الماء تحت الأرض . دليله [ قوله صلى اللّه عليه وسلم ] « 2 » : « تحت كل شعرة جنابة » « 3 » ؛ أي تحت ما علا ، لا تحت الجلد ؛
--> ( 1 ) سقط في ط . ( 2 ) في ط : ما روى أن . ( 3 ) أخرجه أبو داود ( 1 / 171 - 172 ) كتاب : الطهارة ، باب : في الغسل من الجنابة ، الحديث ( 248 ) ، والترمذي ( 1 / 178 ) كتاب : الطهارة ، باب : ما جاء أن تحت كل شعرة جنابة ، الحديث ( 106 ) ، وابن ماجة ( 1 / 196 ) كتاب : الطهارة ، باب : تحت كل شعرة جنابة ، الحديث ( 597 ) ، وابن عدي في الكامل في ضعفاء الرجال ( 2 / 612 ) في ترجمة الحارث ابن وجيه الراسبي ، وأبو نعيم في حلية الأولياء ( 2 / 387 ) ، والبيهقي ( 1 / 175 ) كتاب : الطهارة ، باب : تخليل أصول الشعر بالماء ، كلهم من حديث الحارث بن وجيه ، عن مالك بن دينار ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن تحت كل شعرة جنابة فبلوا الشعر » ، وفي لفظ : « فاغسلوا وأنقوا البشرة » ، وقال أبو داود : « الحارث بن وجيه حديثه منكر ، وهو ضعيف » ، وكذلك ضعفه الترمذي . وقال البيهقي في « معرفة السنن والآثار » ( 1 / 431 - 432 ) كتاب : الطهارة ، باب : إيصال الماء إلى أصول الشعر : أنكره من أهل العلم بالحديث البخاري ، وأبو داود . وقال الشافعي : هذا الحديث -