أبي منصور الماتريدي
401
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ . . . الآية [ البقرة : 155 ] ، ولأن في العقل ما يدفع حمل الأشياء كلها على الإباحة ، لما في ذلك فساد الخلق ، وتفانيهم . فبين لكل منهم ملكا على حدة بسبب يكتسب به ؛ لئلا يحملهم على التفانى والفساد ، وبالله نستعين . وقوله : فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً . أي : أعدالا ، وأشكالا في العبادة ، وكله واحد . ند الشئ : هو عدله . وشكله : هو مثله . وقوله : وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ . الأول : أن لا ندّ ، ولا عدل ، ولا شكل ؛ لما أراكم من إنشاء هذه الأشياء ولم تروا من ذلك ممن تعبدونه شيئا . والثاني : وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ لما أنشأ فيكم من الأشياء ما لو تدبرتم وتفكرتم وتأملتم ، علمتم أنه لا ندّ له ولا شكل له ؛ كقوله : وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ [ الذاريات : 21 ] . وقوله عزّ وجل : وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا . من القرآن أنه مختلق مفترى ، وأنه ليس منه ؛ كقولهم : إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ [ ص : 7 ] ، وقولهم : ما هذا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرىً [ سبأ : 43 ] ، و ما هذا إِلَّا سِحْرٌ [ القصص : 36 ] . وقوله : فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ . أي : ائتوا أنتم بمثل ما أتى هو ؛ إذ أنتم وهو سواء في الجوهر والخلقة واللسان ، ليس هو أولى بذلك منكم ؛ أعنى : في الاختلاق . وقوله : وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ . أي : استعينوا بآلهتكم الذين تعبدون من دون الله ، حتى تعين لكم على إتيان مثله إن كنتم صادقين في مقالتكم أنه مختلق مفترى . ويقال : وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ . يعنى شعراءكم وخطباءكم ليعينوكم على إتيان مثله . ويقال : ادعوا شهداءكم من التوراة ، والإنجيل ، والزبور ، وسائر الكتب المنزلة على الرسل السالفة أنه مختلق مفترى . وقوله : فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا . يحتمل وجوها : يحتمل أنهم أقروا على أثر ذلك بالعجز عن إتيان مثله من غير تكلف ولا اشتغال كان منهم لما دفع عزّ وجل عن أطماعهم إتيان مثله نظما ، ولا اجتهدوا كل جهدهم ، وتكلفوا