أبي منصور الماتريدي

400

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وسمى السماء بناء - وإن كان لا يشبه بناء الخلق - حتى يعلم أن البناء ليس اسم ما يبنى الناس خاصة . ثم بين بقوله : وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ . أي : وجهوا العبادة إلى الذي ينزل لكم من السماء ماء عند حوائجكم ، ولا تعبدوا من تعلمون أنه لم يخلقكم ، ولا أنزل لكم من السماء ماء ، ولا أخرج لكم من ذلك الماء ثمرات تكون رزقا لكم . بل هو الله الواحد الذي لا شريك له ؛ ولأنه يخلقكم ، ويرزقكم ، ويخرج لكم من ذلك الماء المنزل من السماء رزقا تأكلونه ، وماء عذبا تشربونه . وفي الآية دلالة أن المقصود في خلق السماء والأرض ، وإنزال الماء منها ، وإخراج هذه الثمرات وأنواع المنافع - بنو آدم ، وهم الممتحنون فيها ؛ بدلالة قوله : جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وما ذكر من المخرج والمنزل منها ، وما ذكر في آية أخرى : وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ [ الجاثية : 13 ] ، ومنه وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ * [ إبراهيم : 33 ، النحل : 12 ] ، وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ [ إبراهيم : 32 ] مما يكثر من الآيات . أضاف ذلك كلّه إلينا ، ثم جعل - عزّ وجل - بلطفه منافع السماء متصلة بمنافع الأرض على بعد ما بينهما من المسافة ، حتى لا تخرج الأرض شيئا إلا بما ينزل من السماء من الماء ؛ ليعلم أن منشئ السماء هو منشئ الأرض ؛ لأنه لو كان منشئ هذا غير منشئ الآخر لكان لا معنى لاتصال منافع هذا بمنافع الآخر على بعد ما بينهما ، ولتوهم كون الاختلاف من أحدهما للآخر . فإذا كان كذلك دل على أن منشئهما واحد ، لا شريك له ولا ند . ثم زعم قوم : أن الأشياء كلها حلّ لنا ، طلق ، غير محظور علينا ، حتى يجئ ما يحظر ، فاستدلوا بظاهر هذه الآية بقوله : رِزْقاً لَكُمْ ، وبقوله : كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً [ البقرة : 168 ] . وقال آخرون : لا يدل ذلك على الإباحة ؛ وذلك أن الأشياء لم تصر لنا من كل الوجوه ، فهو على الحظر حتى تجىء الإباحة ، ولأن الأشياء لا تحل إلا بأسباب تتقدم ؛ فظهر الحظر قبل وجود الأسباب ، فهو على ذلك حتى يجئ ما يحل ويبيح . أو أن يقال : خلق هذه الأشياء لنا محنة امتحنا بها ، أو فتنة فتنا بها ؛ كقوله : أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ * [ الأنفال : 28 ، التغابن : 15 ] ، فتنّا بها ؛ وكقوله : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ