أبي منصور الماتريدي

399

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

جعل العبادة عبارة عن التوحيد ؛ لأن العبادة التي هي لله لا تكون ولا تخلص له إلا بالتوحيد . ويقال : اعْبُدُوا ؛ أي : أطيعوا له ؛ أي : اجعلوا عبادتكم لله ، لا تعبدوا غيره ، في كلا التأويلين يرجع إلى الكفرة . ويقال : اعْبُدُوا ؛ أي : أطيعوا له . والعبادة جعل العبد كلّيته لله قولا ، وعملا ، وعقدا ، وكذلك التوحيد ، والإسلام . والطاعة ترجع إلى الائتمار ؛ لأنه يجوز أن يطاع غير الله ، ولا يجوز أن يعبد غير الله ؛ لأن كل من عمل بأمر آخر فقد أطاعه ؛ كقوله : وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [ المائدة : 92 ] ولا كل من عمل بأمر آخر فهو عابد له ، وبالله نستعين . ثم بين الذي أمر بالتوحيد إياه وبالعبادة له خالصا ، فقال : الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ . والذين تعبدونهم لم يخلقوكم ، ولا خلقوا الذين من قبلكم ، فكيف تعبدونهم دون الذي خلقكم ؟ ! وبالله التوفيق . وقوله : لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ . يحتمل وجهين : يحتمل : تتقون المعاصي ، والمناهى ، والمحارم التي حرم الله عليكم . فإذا كان هذا هو المراد فذلك راجع إلى المؤمنين . ويحتمل قوله : تَتَّقُونَ الشرك وعبادة غير الله ، فذلك راجع إلى الكفرة . قال الشيخ : الأحسن في الأمر بالتقوى والتوحيد أن يجعل عامّا ، وفي الخبر عن التقوى خاصّا . لَعَلَّكُمْ أي : كي تتقوا . وقوله : الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ . بيّن اتقاء « 1 » الذي أمر بالتوحيد له ، وتوجيه العبادة إليه ، وإخلاص النية له ؛ فقال : الذي فرش لكم الأرض لتنتفعوا بها ، وتقضوا حوائجكم فيها ، من أنواع المنافع عليها ، واتخاذ المستقر والمسكن فيها . وَالسَّماءَ بِناءً أي : رفع السماء بناء . والسماء : كل ما علا وارتفع ، كما يقال لسقف البيت : سماء ؛ لارتفاعه .

--> ( 1 ) في أ : أنه .