أبي منصور الماتريدي
390
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
الَّذِينَ آمَنُوا . . . الآية [ البقرة : 14 ] . وقيل « 1 » : إنها نزلت في اليهود ؛ لأنه سبق ذكر اليهود ، وهو قوله : . . . أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ . . . الآية [ البقرة : 6 ] . ويحتمل : نزولها في الفريقين جميعا . وروى عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال : « إن هذا من المكتوم » فلا يحتمل ما قال ؛ لأنه مثل ضربه الله ، والأمثال إنما تضرب لتفهم وتقرّب إلى الفهم ما بعد منه ؛ فلو حمل على ما قال لم يفهم مراده وما قرّب إلى الفهم شيئا ، إلا أن يريد من المكتوم : أنه لم يعلم فيمن نزل ، فهو محتمل ، والله أعلم . وقوله عزّ وجل : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً . . . الآية . يحتمل : أن يكون الإضافة إلى من ذكر من المنافقين بقوله : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ . . . الآية [ البقرة : 8 ] ، وقوله : وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا . . . الآية [ البقرة : 14 ، 76 ] . وذلك يخرج على وجوه : أحدها : أنهم قصدوا قصد المخادعة بأولياء الله والاستهزاء بهم ؛ ففضحهم الله بذلك في الدنيا والآخرة . فأما في الدنيا فبما هتك سترهم ، وأطلع على ذلك أولياءه ؛ فعادت إليهم المخادعة ، وعوقبوا بما أطلع على ضميرهم ، وبما أرادوا ذلك الأمن ، فأعقبهم الله خوفا دائما كما وصفهم الله يَخْشَوْنَ النَّاسَ . . . الآية [ النساء : 77 ] . وقال : يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ [ المنافقون : 4 ] . وقال : رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ [ محمد : 20 ] ، وقال : فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ . . . الآية [ الأحزاب : 19 ] ، وقال : يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ . . . الآية [ التوبة : 64 ] . أو أن يكونوا طلبوا - بإظهار الموافقة في الدين - الشرف فيهم والعز ، وكذلك عند الكفرة مما أظهروا أنهم يخادعون بذلك المؤمنين ، ويستهزءون بهم ؛ فعلموا أنهم كذلك يظهرون للمؤمنين حالهم معهم ، فطردوا من بينهم فقال الله : ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ [ المجادلة : 14 ] ، وقال : مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ . . . الآية [ النساء : 143 ] ، فزال عنهم ما التمسوا من الشرف والعز ، وأبدل لهم به الهوان والذل . فمثلهم في ذلك مثل مستوقد نار ليستضيء بضوئها ، وينتفع بحرّها ، فأذهب الله ضوءه
--> ( 1 ) ذكره البغوي في تفسيره ( 1 / 53 ) ونسبه لعطاء ومحمد بن كعب .