أبي منصور الماتريدي
391
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
حتى ذهب ما كان يأمل من الاستنارة بها والانتفاع ، وأعقبه الله تعالى خوف الاحتراق لو دنا منها ، وذهب عنه ما طلب بذلك - من شرف الوقود في الأيام الشاتية ، أو ما يصلح بها - من الأغذية بذهاب البصر . فيكون ذلك معنى قوله : وَهُوَ خادِعُهُمْ [ النساء : 142 ] ، و اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ إذ عوقبوا بالخوف بما قصدوا به الأمن ، والذلّ بما طلبوا به العزّ ، وكذلك مستوقد النار الذاهب نوره ، والله أعلم . وعلى ذلك قوله : أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى أي : اختاروا الضلالة لما رجعوا إلى شياطينهم بالهدى الذي قد أظهروه عند المؤمنين . فيكون تحقيق استهزاء الله بهم ، ومخادعته إياهم فعل أوليائه بهم بما أخبروا من سرائرهم ، وبما حطوا أقدارهم ، وذلوا في أعينهم ، فأضيف ذلك إلى الله ؛ إذ به فعلوا ، كما أضيفت مخادعتهم المؤمنين إليه ؛ إذ عن دينه خادعوهم . والله أعلم . وعلى هذا التأويل أمكن أن يخرج قول من زعم : أن الآية نزلت في الكافرين ، أنهم كانوا يعرفون رسول الله صلى اللّه عليه وسلم لما وجدوا نعته في التوراة والإنجيل ، أنه يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ . . . الآية [ الأعراف : 157 ] ، وقوله : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ [ الفتح : 29 ] إلى آخر السورة ، وقال عزّ وجل : يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ * [ البقرة : 146 ، الأنعام : 20 ] ، وقوله : وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ [ البقرة : 89 ] . كانوا كمستوقد النار ، أي : طالب الوقود ليستضيء به ، فلما ظفر به أذهب الله نوره بعد معرفتهم بمنفعة نور النار ، فلم ينتفع به . فكذلك لما كفروا عند بعث النبي صلى اللّه عليه وسلم حسدا من أنفسهم وبغيا ؛ إذ كان من غيرهم ؛ أو خشية منهم على ملكهم ومأكلتهم بعد العلم منهم بعظم المنفعة فيه ، ولا قوة إلا بالله . وأما في الآخرة أنهم قصدوا مخادعة المؤمنين ، وموالاتهم في الظاهر ، ومشاركتهم إياهم في المنافع نحو المغانم والتوارث والتناكح ، وخالفوهم في الباطن . فكذلك الله أشركهم في المنافع الظاهرة الحاضرة في الدنيا ، وخالفهم بمنافع دينه في الباطن الغائب وهي الآخرة ؛ أراهم المشاركة مع المؤمنين في الدنيا ، وصرفها عنهم في الآخرة . فكما أروهم الموافقة في الظاهر مع المخالفة في الباطن ، فكذلك مستوقد النار أظهر من نفسه الرغبة في ضوئها بالإيقاد ، وقد أذهب الله ضوء بصره ؛ فذهب عنه منفعته عند ظنه أنه يصل إليها ، كالمنافقين في الآخرة ، إذ ظنوا في الدنيا أنهم شركاؤهم في الآخرة لو