أبي منصور الماتريدي

389

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله : فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ . أي : ما ربحوا في تجارتهم ؛ لأن التجارة لا تربح ولكن بالتجارة يربح ، وقد يسمى الشئ باسم سببه . وهو كقوله : جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً [ النمل : 86 ] ، والنهار لا يبصر ، ولكن بالنهار يبصر . وذلك سائغ « 1 » في اللغة ، جائز تسمية الشئ باسم سببه . ثم في قوله : فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ نفى الربح دون نفى الأصل في الظاهر ، غير أن النفي على وجهين : نفى شئ يوجب إثبات ضده ، وهو نفى الصفة ؛ كقولك : فلان عالم : نفيت الجهل عنه ، وفلان جاهل : نفيت العلم عنه . ونفى شئ لا يوجب إثبات ضده ، وهو نفى الأعراض ؛ لأنك إذا نفيت لونا لم يوجب ضد ذلك اللون . وقوله : فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ نفى الأصل ؛ كأنه قال : بل خسرت تجارتهم ، أوجبت إثبات ضده . دليله قوله : بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ [ البقرة : 90 ] ، و لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ [ المائدة : 62 ] . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 17 إلى 20 ] مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ ( 17 ) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ ( 18 ) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ ( 19 ) يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 20 ) وقوله : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ . اختلف فيه : قيل « 2 » : إنها نزلت في المنافقين ؛ لأنها على أثر ذكر المنافقين ، وهو قوله : وَإِذا لَقُوا

--> ( 1 ) في أ : شائع . ( 2 ) أخرجه ابن جرير عن ابن عباس ( 386 ، 387 ، 389 ) وقتادة ( 391 ) والضحاك ( 392 ) ، ومجاهد ( 393 ، 394 ، 395 ) وغيرهم ، وانظر الدر المنثور للسيوطي ( 1 / 71 - 73 ) .