أبي منصور الماتريدي
385
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقوله : وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ . الأول : أي : لا يشعرون أن حاصل ذلك لا يرجع إليهم . والثاني : لا يشعرون أن ما كانوا يفعلون الفساد . فإن كان هذا فهو ينقض قول من يقول : بأن الحجة لا تلزم إلا بالمعرفة ، وهو قول الناس ؛ لأنه عزّ وجل أخبر بفساد صنيعهم ، وإن لم يشعروا به . وهو كقوله أيضا : أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [ الحجرات : 2 ] : أخبر بحبط الأعمال وإن كانوا لا يعلمون . وقوله : وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ . تحتمل الآية : أن تكون في المنافقين ، وتحتمل : في أهل الكتاب . فإن كانت في المنافقين فكأن قوله : آمنوا يا أهل النفاق في السر والعلانية ، كما آمن أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم في السر والعلانية جميعا ، وهو كقوله : فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا [ البقرة : 137 ] . وإن كان في أهل الكتاب ففيه الأمر بالإيمان الذي هو إيمان ، وهو التصديق . والإيمان عندنا هو التصديق بالقلب ؛ دليله قول جميع أهل التأويل والأدب أنهم فسروا آمَنُوا : صدقوا في جميع القرآن . وقوله : قالُوا أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ الآية . السفه : هو ضد الحكمة ، وهو العمل بالجهل على العلم أنه يبطل ، والجهل هو ضد العلم . والسفه هو الشتم ؛ يقول الرجل لآخر : يا سفيه . وقوله : أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ . يقول بعض المتكلمين : إن هذا شتم من الله لهم ، جوابا على المؤمنين ، ويستجيزون ذلك على الجواب ، وإن لم يجز على الابتداء ، كالمكر ، والكيد ، والاستهزاء ، والخداع ونحوه ، فعلى ذلك هذا . وأما عندنا فهو غير جائز ؛ لأن من يشتم آخر يذم عليه ، وهو عمل السفهاء . فأخبر عزّ وجل : أنهم هم الذين يعملون بالجهل على علمهم أن دينهم الذي يدينون به باطل ، وأن الدين الذي يدين به المؤمنون حق . وقوله : وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ . قيل فيه بوجهين : أحدهما : لا يعلمون أنهم هم السفهاء .