أبي منصور الماتريدي
360
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقد يتوجه اسم الرب إلى المالك ؛ إذ كل من ينسب إليه الملك يسمّى أنه مالكه ، ولا يسمّى أنه سيد إلا في بني آدم خاصة . واسم الرب يجمع ذلك كلّه ؛ لذلك كان التوجيه إلى المالك أقرب ، وإن احتمل المروى عن ابن عباس - رضي الله عنه - إذ هو في الحقيقة سيّد من ذكر وربّهم . والله الموفق . ثم اختلف أهل التفسير في العالمين : فمنهم من رد إلى كل ذي روح دب على وجه الأرض . ومنهم من رد إلى كل ذي روح في الأرض وغيرها . ومنهم من قال : لله كذا ، كذا عالم . والتأويل عندنا ما أجمع عليه أهل الكلام : أن العالمين : اسم لجميع الأنام والخلق جميعا . وقول أهل التفسير يرجع إلى مثله ، إلا أنهم ذكروا أسماء الأعلام ، وأهل الكلام ما يجمع ذلك وغيرهم . ثم العالم اسم للجميع ، وكذلك الخلق ، ثم تعريف ذلك بالعالمين والخلائق يتوجه إلى جمع الجمع ، من غير أن يكون في التحقيق تفاوت ، وقد يتوجه إلى عالم كل زمان وكذا خلق كل زمان على حكم تجدد العالم . وبالله التوفيق . وفي ذلك أن الله - عزّ وجل - ادعى لنفسه : رب العالمين كلهم ، من تقدم وتأخر ، ومن كان ويكون ، ولم يقدر أحد أن ينطق بالتكذيب ، يدّعى شيئا من ذلك لنفسه ؛ فدل ذلك على أن لا رب غيره ، ولا خالق لشئ من ذلك سواه ؛ إذ لا يجوز أن يكون حكيم أو إله ينشئ ويبدع ولا يدعيه ، ولا يفصل ما كان منه ما كان لغيره ، وبنفسه قام ذلك لا بغيره ؛ وعلى ذلك معنى قوله تعالى : وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ [ المؤمنون : 91 ] فهذا - مع ما في اتّساق التدبير ، واجتماع التضاد ، وتعلق حوائج بعض ببعض ، وقيام منافع بعض ببعض ، على تباعد بعض من بعض وتضادها - دليل واضح على أن مدبر ذلك كله واحد ، وأنه لا يجوز كون مثل ذلك من غير مدبّر عليم . والله المستعان . وقوله : الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ( 3 ) مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ . اسمان مأخوذان من الرحمة ، لكنه روى فيهما : رقيقان أحدهما أرقّ من الآخر ، وكأن الذي روى عنه هذا أراد به لطيفان أحدهما ألطف من الآخر ، دليل ذلك وجهان : أحدهما : مجىء الأثر في ذلك - اللطيف - في أسماء الله تعالى مع ما نطق به