أبي منصور الماتريدي
361
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
الكتاب ، ولم يذكر في شئ من ذلك رقيق . ومعنى اللطيف : استخراج الأمور الخفية وظهورها له ؛ كقوله : إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ إلى قوله : لَطِيفٌ خَبِيرٌ [ لقمان : 16 ] ، وبالله التوفيق . والثاني : أن اللطيف حرف يدل على البرّ والعطف . والرقة على رقة الشئ التي هي نقيض الغلظ والكثافة ، كما يقال : فلان رقيق القلب . وإذا قيل : فلان لطيف ، فإنما يراد به بارّ : عاطف ؛ فلذلك يجوز : لطيف ، ولا يجوز : رقيق ، وكذلك فسر من فسر « الرحمن » بالعاطف على خلقه بالرزق . وذهب بعضهم - وهو الأول - إلى اللطافة وذلك بعيد ، وإنما هو من اللّطف . وقوله : أحدهما أرق من الآخر ، بمعنى اللطف - يحتمل وجهين : أحدهما : التحقيق بأن اللطف بأحد الحرفين أخص وأليق ، وأوفر وأكمل ، فذلك رحمته بالمؤمنين أنه يقال : رحيم بالمؤمنين على تخصيصهم بالهداية لدينه ؛ ولذا ذكر أمته وإن أشركهم في الرزق فيما يراهم غيرهم ؛ ألا ترى أنه لا يقال : رحمن بالمؤمنين ، وجائز القول : رحيم بهم ، وكذلك لا يقال : رحيم بالكافرين ، مطلقا ؟ ! وبالله التوفيق . ووجه آخر : أن أحدهما ألطف من الآخر ؛ كأنه وصف الغاية في اللطف حتى يتعذر وجه إدراك ما في كل واحد منهما من اللطف ، أو يوصف بقطع الغاية عما يتضمنه كل حرف . وبالله التوفيق . ثم في هذا أن اسم « الرحمن » هو المخصوص به الله لا يسمى به غيره ، و « الرحيم » يجوز تسمية غيره به ؛ فلذلك يوصف أن « الرحمن » اسم ذاتي ، و « الرحيم » فعلى ، وإن احتمل أن يكونا مشتقين من الرحمة ؛ ودليل ذلك : إنكار العرب « الرحمن » ، ولا أحد منهم أنكر « الرحيم » ، حيث قالوا : قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَ نَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا [ الفرقان : 60 ] وذلك قوله : قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا [ الإسراء : 110 ] يدل على أنّه ذاتىّ لا فعلىّ ، وإن كان الفعل صفة الذات ؛ إذ محال صفته بغيره ؛ لما يوجب ذلك الحاجة إلى غيره ليحدث له الثناء والمدح . وفي ذلك خلق الخلق لنفع الامتداح ، وهو عن ذلك متعال ، بل بنفسه مستحقّ لكل حمد ومدح ، ولا قوة إلا بالله . وروى في خبر القسمة : « أن العبد إذا قال : الرحمن الرّحيم ، قال الله تعالى : أثنى علىّ عبدي ، وإذا قال : مالك يوم الدين ، قال : مجدنى عبدي » « 1 » . وذكر أنه قال في الأول : بالتمجيد ، وفي الثاني : بالثناء ، وذلك واحد ؛ لأن معنى الثناء الوصف بالمجد والكرم
--> ( 1 ) تقدم بنحوه .