أبي منصور الماتريدي
36
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
ومهادنتهم ، فوثق به الخلفاء العباسيون حتى عهدوا إليه بولاية شرطة بغداد بالإضافة إلى حكم ولايات خراسان وفارس وأصبهان وسجستان والسند وكرمان ، فقوي نفوذه واستقر ملكه « 1 » . وقد اتبع عمرو بن الليث نظاما دقيقا في مراقبة عماله وقواده ، ورتب موارد دولته وعمل على تنميتها وزيادتها « 2 » . ولم يقنع عمرو بما استقام له من ملك ونفوذ على كثير من الولايات والممالك ، فطمع في بلاد ما وراء النهر التي كانت تحت حكم الدولة السامانية . والحق أن الخلافة العباسية هي التي أغرت عمرو بحرب السامانيين ؛ إذ أرسلت إليه تفويضا بحكم بلاد ما وراء النهر ، وفي الوقت نفسه كتبت إلى الأمير إسماعيل بن أحمد الساماني سرّا تدعوه إلى حرب الصفار وتعده بتوليته على ما تحت يديه من بلاد « 3 » . ويقول ابن الفقيه موضحا هذه الخطة : « كتب المعتضد إلى الصفار يأمره أن يطلب إسماعيل بن أحمد ، وأنه قد ولاه عمله ، وكتب إلى إسماعيل بمثل ذلك » « 4 » . وكان أن رفض الأمير إسماعيل الساماني تسليم بلاد ما وراء النهر ، وكتب إلى عمرو بن الليث قائلا : « إنك قد وليت دنيا عريضة ، وأنا في يدي ما وراء النهر ، وأنا في ثغر ، فاقنع بما في يدك ، واتركني مقيما بهذا الثغر » « 5 » . وأسفر الصراع بين الجانبين عن هزيمة عمرو بن الليث الصفار ووقوعه في الأسر سنة 287 ه ، وعامله الأمير الساماني معاملة كريمة ، وخيره بين البقاء عنده أو إرساله إلى الخليفة فاختار السير إلى المعتضد ، ولكن الخليفة أمر أن يشهر به ويلقى في السجن ثم قتله سنة 289 ه « 6 » . وقد تولى إمارة الدولة الصفارية - بعد عمرو بن الليث - طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث وكان صغيرا لاهيا عابثا ، فغلب عليه السبكري - غلام عمرو بن الليث - فاستبد
--> ( 1 ) ينظر : الطبري ، تاريخ الأمم والملوك ( 9 / 545 ) . ( 2 ) ينظر : عصام عبد الرؤوف ، الدول الإسلامية المستقلة في الشرق ص 10 . ( 3 ) ينظر : محمد عبد الحميد الرفاعي ، الخلافة العباسية والحركات الاستقلالية بالمشرق ص 148 ، 149 . ( 4 ) ينظر : ابن الفقيه ، مختصر كتاب البلدان ، ليدن 1967 ، ص 312 . ( 5 ) ينظر : الطبري ، تاريخ الأمم والملوك ( 10 / 76 ) . ( 6 ) ينظر : عبد الحميد الرفاعي ، الخلافة العباسية والحركات الاستقلالية بالمشرق ص 149 .