أبي منصور الماتريدي
33
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
الفصل الثالث ظاهرة الدول المستقلة في الشرق الإسلامي تميز تاريخ الدولة العباسية بظاهرة فريدة لم يشهدها تاريخ الخلافتين الراشدة والأموية ، وهي ظاهرة الدول المستقلة في المشرق والمغرب جميعا . وإذا كان ظهور النزعات الاستقلالية في العالم الإسلامي يرجع إلى أواخر العصر الأموي ، فإن هذه الظاهرة قد اتسعت على نحو كبير منذ مطلع الدولة العباسية ، فقامت الدولة الأموية بالأندلس ( 138 - 397 ه ) على يد عبد الرحمن الداخل ، وأسس إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي دولة الأدارسة في المغرب الأقصى ( 172 - 311 ه ) ، وقامت دولة الأغالبة في تونس ( 184 - 269 ه ) على يد إبراهيم بن الأغلب ، وفي مصر ظهر الطولونيون ( 254 - 292 ه ) ثم الإخشيديون ( 323 - 358 ه ) ثم الخلافة الفاطمية ( 358 - 567 ه ) . أما في الشرق فثمة دول استطاعت الاستقلال عن الدولة العباسية ، فقد قامت الدولة الطاهرية في خراسان - نسبة إلى طاهر بن الحسين ( 205 - 259 ه ) - وعلى أنقاضها نشأت الدولة الصفارية ( 254 - 290 ه ) على يد يعقوب بن الليث الصفار ، كما ظهرت الدولة السامانية ( 266 - 389 ه ) « 1 » . ونستطيع أن نرد أسباب هذ الظاهرة - وهي نشأة الدول المستقلة - إلى تضخم نفوذ الأتراك في الدولة العباسية ، واستبدادهم بتصريف الشؤون السياسية دون الخلفاء ، فأحدث الأتراك كثيرا من القلاقل والاضطرابات ، وغدت الدولة العباسية مسرحا للفوضى والاضطرابات السياسية ، الأمر الذي ترتب عليه ضعف السلطة المركزية في بغداد وما ارتبط به من استقلال أكثر الولايات الإسلامية . وثمة أمر آخر هو أن انحسار نفوذ العرب والفرس وضعف مكانتهم وهوان شأنهم في الدولة العباسية ، دفعهم دفعا إلى الاستقلال ببعض بلدان الدولة العباسية في المشرق الإسلامي ، فكانت الدولتان : الصفارية والسامانية « 2 » . وهاتان الدولتان تقع في إطارهما مدينة سمرقند التي ولد فيها الماتريدي ؛ ولذلك
--> ( 1 ) انظر : حسن إبراهيم حسن ، تاريخ الإسلام ( 3 / 64 ) . ( 2 ) ينظر : مروج الذهب ( 4 / 64 ) ، معجم الأنساب والأسرات الحاكمة ( 2 / 306 ) .