أبي منصور الماتريدي
321
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
يقول : « اختلف فيه : قال بعضهم : النهي عن دخول المسجد الحرام نفسه . وعندنا أن النهي عن دخول المسجد الحرام نهي عن دخول مكة نفسها للحج وإقامة العبادات ؛ دليله وجوه : أحدها : قوله : بَعْدَ عامِهِمْ ولو كان لدخول المسجد لكان ذلك العام أحق عن المنع في دخوله من غيره . والثاني : في قوله : وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ، وخوف العيلة إنما يكون عن دخول مكة ؛ لأنه لو كان النهي عن دخول المسجد نفسه ، لكان لا خوف عليهم في ذلك ؛ لأنهم يحضرون ويدخلون مكة للتجارة ؛ فلا خوف عليهم في ذلك . والثالث : قوله صلى اللّه عليه وسلم : « ألا لا يحجّنّ بعد العام مشرك » « 1 » وفي آخر الآية دلالة ذلك ؛ لأنه قال : وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ . ونلاحظ - هنا - أنه يعترض على أسلافه ، ويذهب بعيدا عنهم في اختياره ، ويعضد اختياره بأدلة أرى أن الصواب يحالفه فيها . وأحيانا نجد الماتريدي يطرح أقوالا للمفسرين السابقين ، ويذكر المعنى الذي يرتضيه ، ثم يعود إلى أقوال المفسرين السابقين مرة أخرى ، ويردها ، ويدلل على صحة تفسيره وخطأ تفسيرهم ، فمثلا عند قول الله تعالى : يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ يقول : « ذكر بعض أهل التأويل أن الأنصار مشت إليهم ، يعني إلى المنافقين ، فقالوا : قد عيرنا وما نزل فيكم حتى متى ، فكانوا يحلفون للأنصار : والله ما كان شيء من ذلك ، فأكذبهم الله فقال : يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ ما كان الذي بلغكم لِيُرْضُوكُمْ بما حلفوا وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ منكم يا معشر الأنصار أَنْ يُرْضُوهُ حيث اطلع على ما حلفوا وهم كذبة » . ثم لا يرتضي هذا التأويل فيقول : « والأشبه أن تكون الآية نزلت في معاتبة جرت بين المؤمنين والمنافقين باستهزاء كل منهم برسول الله ، أو طعن فيه ، أو استهزاء بدين الله ، فاعتذروا إليهم ، وحلفوا على ذلك ؛ ليرضوهم ، فقال : وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ حقيقة ، ولكن ليسوا بمؤمنين » .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 3 / 565 ) كتاب الحج باب لا يطوف بالبيت عريانا ( 1622 ) ومسلم ( 2 / 982 ) كتاب الحج باب لا يحج بالبيت مشركا ( 435 / 1347 ) من حديث أبي هريرة .