أبي منصور الماتريدي
322
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
ثم شرع يعدد أقوال أهل التأويل الأخرى ، مفندا إياها ، فقال : « وأما ما قاله بعض أهل التأويل : إن رجلا من المنافقين قال : والله ، لئن كان ما يقول محمد حقا لنحن شر من الحمر ، فسمعها رجل من المسلمين ، فأخبر بذلك رسول الله ، فدعاه ، فقال : « ما حملك على الّذي قلت » فحلف والتعن ما قاله ، فنزل قوله : يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ هذا لو كان ما ذكر لكانوا يحلفون لرسول الله ، لا يحلفون لهم ؛ دل أن الآية في غير ما ذكر . ويذكر ابن عباس أن الآية نزلت في ناس من المنافقين تخلفوا عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم في غزوة تبوك ، فجعلوا يحلفون لرسول الله صلى اللّه عليه وسلم حين رجع أنهم لا يتخلفون عنه أبدا . وكذلك قال غيره من أهل التأويل ، ولكن لو كان ما قالوا لكانوا يحلفون لرسول الله ويرضونه ، لا للمؤمنين ؛ دل على أن الأشبه ما ذكرنا من وجوه : أحدها : أن فيه دلالة تحقيق رسالته ليعلموا أنه حق ؛ حيث اطلع عليه بما أسروه في أنفسهم ، وكتموا من المكر وأنواع السفه . والثاني : ليحذروا ويمتنعوا عن مثله والمعاودة إليه ؛ لما علموا أنه يطلع على جميع ما يسرون عنه ويكتمون . والثالث : تنبيها للمؤمنين وتعليما لهم منه بأنه إذا وقع لهم مثل ذلك لا يشتغلون بالحلف ؛ طلبا لإرضاء بعضهم بعضا ، ولكن يتوبون إلى الله ، ويطلبون به مرضاته » . والنقول التي جاء بها الماتريدي في هذا النص تدخل في إطار ما يعرف بأسباب النزول ، ولكنه عزاها هو إلى أهل التأويل تارة وإلى ابن عباس تارة أخرى ، ثم ردها دون أن يتحقق من مدى صحتها ، ولعل هذا من المآخذ التي يمكن أن يؤاخذ بها في تفسيره ، لكن مع ذلك فإن ما ساقه من حجج عقلية يقوي موقفه ، خاصة وأنه ساق رواية تكاد تكون رواية فرضية ، يفهم هذا من كلامه ؛ هذا من جهة . ومن جهة أخرى : يدل هذا النص على أن الماتريدي لا يهمل أسباب النزول في تفسيره ، وإن كانت طريقته ذات سمات خاصة في عرضه لهذه الأسباب تخالف ما درج عليه المفسرون ، فالمفسرون حين يتعرضون لذكر هذه الأسباب يصرحون بذلك ، فيقولون : ورد في سبب النزول كذا ، أو سبب نزول هذه الآية أو الآيات ما روي كذا . . . وهكذا . وقد يعرض الماتريدي أقوال أهل التأويل دون أن يتعرض لها بالنقد ، ولكن يضيف إليها ، كما جاء في تفسير قوله تعالى : وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ