أبي منصور الماتريدي
264
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
صلى اللّه عليه وسلم وعن الصحابة ، وزاد على ذلك من القول بالرأي والاجتهاد ، بمقدار ما زاد من الغموض الذي كان يتزايد كلما بعد الناس عن عصر النبي صلى اللّه عليه وسلم والصحابة . ثم جاءت الطبقة التي تلي التابعين وروت عنهم ما قالوا ، وزادوا عليه بمقدار ما زاد من غموض . . . وهكذا ظل التفسير يتضخم طبقة بعد طبقة ، وتروي الطبقة التالية ما كان عند الطبقات التي سبقتها ، كما أشرنا إلى ذلك فيما سبق . ثم ابتدأ دور التدوين - وهو ما يعنينا في هذا البحث - فكان أول ما دون في التفسير ، هو التفسير بالمأثور ، على تدرج في التدوين كذلك ، فكان رجال الحديث والرواية هم أصحاب الشأن الأول في هذا ، وقد رأينا أصحاب مبادئ العلوم حين ينسبون - على عادتهم - وضع كل علم لشخص بعينه ، يعدون واضع التفسير - بمعنى جامعه لا مدونه - الإمام مالك بن أنس الأصبحي ، إمام دار الهجرة . وكان التفسير إلى هذا الوقت لم يتخذ له شكلا منظما ، ولم يفرد بالتدوين ، بل كان يكتب على أنه باب من أبواب الحديث المختلفة ، يجمعون فيه ما روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين . ثم بعد ذلك انفصل التفسير عن الحديث ، وأفرد بتآليف خاصة ؛ فكان أول ما عرف لنا من ذلك تلك الصحيفة التي رواها علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ، ثم وجد بعد ذلك جزء أو أجزاء دونت في التفسير خاصة ، مثل ذلك الجزء المنسوب لأبي روق ، وتلك الأجزاء الثلاثة التي يرويها محمد بن ثور عن ابن جريج . ثم وجدت بعد ذلك موسوعات من الكتب المؤلفة في التفسير ، جمعت كل ما وقع لأصحابها من التفسير المروي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه وتابعيهم : كتفسير ابن جرير الطبري ، ويلاحظ أن ابن جرير ومن على شاكلته - وإن نقلوا تفاسيرهم بالإسناد - توسعوا في النقل وأكثروا منه ، حتى استفاض وشمل ما ليس موثوقا به . كما يلاحظ أنه كان لا يزال موجودا إلى ما بعد عصر ابن جرير ومن على شاكلته - ممن أفردوا التفسير بالتأليف - رجال من المحدثين بوبوا للتفسير بابا ضمن أبواب ما جمعوا من الأحاديث . ثم وجد بعد هذا أقوام دونوا التفسير بالمأثور بدون أن يذكروا أسانيدهم في ذلك ، وأكثروا من نقل الأقوال في تفاسيرهم بدون تفرقة بين الصحيح والعليل ؛ مما جعل الناظر في هذه الكتب لا يركن لما جاء فيها ؛ لجواز أن يكون من قبيل الموضوع المختلق ، وهو