أبي منصور الماتريدي

125

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

في الموضوع » « 1 » . فلا غرو أن كان المسلمون على عهد رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وبعد وفاته بقليل على منهاج واحد في أصول الدين وفروعه ، غير من أظهر وفاقا وأضمر نفاقا على حد تعبير البغدادي . ويسعنا أن نضيف إلى ما سلف أن المسلمين في عهد أبي بكر الصديق قد شغلوا بقمع المرتدين ، وفتح الأمصار والأقاليم لنشر الدعوة الإسلامية وبثها في الآفاق ، فصرفوا إلى الدعوة نفسها أكثر مما عنوا بالنظر فيها والجدال حولها . بيد أن الفتح نفسه وما ترتب عليه من اتساع رقعة الإسلام كان عاملا من عوامل الاختلاف حول العقائد الإسلامية ، وسببا أصيلا من أسباب الشقاق الفكري الذي صار معلما بارزا من معالم الحياة الإسلامية حتى الآن ، على نحو ما سوف نشير إليه بعد قليل . نعم المسلمون بتلك الحالة التي أشرنا إليها من الاستقرار الديني والهدوء الفكري مدة خلافة أبي بكر وعمر بن الخطاب وشطرا من خلافة عثمان بن عفان - رضي الله عنهم أجمعين - وعرف الاختلاف طريقه إلى المسلمين منذ عهد عثمان نفسه ، وكان مقتله ذروة هذا الاختلاف الذي تجاوز المناقشات الفكرية والحوارات الهادئة إلى المناجزة العنيفة في ميادين القتال وساحات الوغى ، ونشأ من هذه وتلك فرق سياسية اصطرعت حول « مبدأ الخلافة » ، وأدلى كل منها بما يحسبه صوابا في ميدان السياسة ، وهي : الشيعة والخوارج ثم المرجئة ويمكن أن يضاف إليها الحزب الأموي « وهذه الأحزاب وإن كانت في الواقع سياسية ، إلا أنها لم تتخذ الشكل السياسي البحت ، بل اصطبغت بصبغة دينية قوية ، وصار كل حزب سياسي فرقة دينية ، وصار الذين يقتتلون سياسيّا يقتتلون دينيّا ، ولكل حزب أدلته الدينية التي يؤيد بها رأيه ، وأخذ كل حزب يؤول في القرآن حسبما يوافق نزعته ورأيه » « 2 » . وأثارت هذه الفرق مسألة مرتكب الكبيرة ، واحتدم النزاع فيما بينها حول نسبته إلى الكفر أو الإيمان ، وهل هو كافر مخلد في النار أم مؤمن يدخله الله برحمته الجنة ، « ولقد ساقهم الخلاف في هذه المسألة إلى الخلاف في تعريف الكفر والإيمان والكبائر والصغائر ونحو ذلك ، وتكون من كل منهم فرق لها آراؤها في الأصول والفروع مما كان أساسا فيما بعد لعلم الكلام » « 3 » .

--> ( 1 ) تاريخ المذاهب الإسلامية ( ص 98 ) . ( 2 ) نصيب المعتزلة في تطور علم الكلام ( ص 3 ) . ( 3 ) السابق ، الصفحة نفسها .