أبي منصور الماتريدي

126

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

الصدام الفكري بين المسلمين وأصحاب الديانات الأخرى : لم يكد القرن الأول الهجري ينتهي حتى كان المسلمون قد ضموا إلى دولتهم أقطارا شاسعة متباينة في الدين والعقيدة تباينها في نمط الحياة وطريقة العيش ، ففتحت بلاد العراق وفارس وما وراءهما ، والشام ومصر وما يليهما ، وأوغل المسلمون في الفتح فعبروا المحيط الأطلسي إلى أوروبا ومدوا نفوذهم إلى الأندلس . والحق أن حركة الفتوحات هذه قد امتد تأثيرها ليشمل إلى الجوانب السياسية والاقتصادية الدين والعقائد وما يرتبط بهما من شؤون الفكر وألوان الثقافة ، وذاك أمر ما نعلم أن أحدا من الدارسين أو الباحثين قد شكك فيه أو غض الطرف عنه ، بل جلّ الباحثين الذين ينظر إليهم بعين الاحترام والاعتبار قد أرجعوا نشأة علم الكلام والتفكير الفلسفي في الإسلام إلى هذا السبب ، بالإضافة إلى أسباب أخرى أشرنا إلى بعضها وقد نشير فيما بعد إلى بعضها الآخر ، ولا غرابة في ذلك إذا نحن علمنا أن هذه البلاد المفتوحة لها عقائدها ودياناتها وثقافاتها المختلفة فتجد النصرانية في مصر والشام والعراق وإفريقية ، وتطل عليك اليهودية من العراق وشمال الحجاز ، ولو قد مددت ببصرك إلى فارس وما وراء النهر لرأيت الزرادشتية والمانوية والمزدكية ، وتستطيع أن تقف في غير ما صعوبة ومشقة على الفلسفة اليونانية منبثة في ثنايا هذه الأقطار . إذا علمت ذلك كله - وما نحسب ذلك أمرا عسيرا - فإنك لا محالة تتبين أثر هذه الثقافات المختلفة والديانات المتباينة في العقيدة الإسلامية ، ومدى ما أسهمت به في تطورها عما كانت عليه في العهد الأول ، وما أضافته إلى البحث الديني والإسلامي من مسائل وأفكار لم يكن للمسلمين عهد بها ولا تفكير فيها ، ودونك أيها القارئ الكريم بعض الأمثلة : تحدث اليهود في النسخ ولم يجيزوا القول به ، فالشريعة عندهم ابتدأت بموسى وتمت به ، واهتموا بمسائل الذات والصفات إذ وجدوا في توراتهم ما يدعو إلى ذلك من النزول عند طور سيناء انتقالا ، والاستواء على العرش استقرارا ، وجواز الرؤية وغير ذلك . كما ناقش اليهود فكرة القدر وانقسموا حولها إلى فريقين : فريق يرى الجبر والاستسلام ، وفريق يرى القدرة والاختيار . وقال اليهود بالرجعة ، فزعموا أن هارون مات وسيرجع ، ومنهم من قال : غاب وسيرجع .