الطبراني
98
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
معنى : إلا أن تكون تلك الأشياء ميتة . وقرأ عليّ رضي اللّه عنه : ( يطّعمه ) بتشديد الطاء ، فأدغم التاء في الطاء . قوله تعالى : ( أَوْ دَماً مَسْفُوحاً ) أي دما مصبوبا سائلا ، فكانوا إذا ذبحوا أكلوا الدم كما يأكلون اللّحم . وفي الآية دليل على أن الدّم إذا لم يكن سائلا مثل الدم الذي يكون في عروق اللّحم المذكّى ؛ فإنه لا يكون محرّما ؛ هكذا قال عكرمة وقتادة ، وقال عمران بن حدير : ( سألت أبا مجلز عمّا يتلطّخ باللّحم من الدّم حتّى يرى فيه حمرة الدّم ؛ قال : لا بأس به ؛ إنّما نهي عن الدّم المسفوح وهو المهراق السّائل ، لكن يحرم لعينه ) « 1 » . وقوله تعالى : ( أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ ) فيه بيان أنّ لحم الخنزير لا يحرم لكونه ميتة ، لكن يحرم لعينه . وقوله تعالى : ( أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ) عطف على قوله : ( أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ ) . والمراد بالفسق : المذبوح للصّنم ؛ وهو الذي يذكر على ذبحه اسم غير اللّه . ومعنى : ( أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ) أي رفع به ؛ مأخوذ من الإهلال الذي هو رفع الصّوت ؛ ومنه إهلال المحرم في الحجّ ، ومنه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : [ إذا استهلّ الصّبيّ ورث وصلّي عليه ] « 2 » . وأما الرّجس ؛ فمعناه : الحرام ، وكلّ ما استقذرته فهو رجس ، والرّجس العذاب في غير هذا الموضع . قوله عزّ وجلّ : فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ ؛ أي من دعته الضرورة إلى أكل شيء من هذه المحرّمات ؛ غير طالب التلذّذ بتناوله ، ولا متجاوز قدر المباح منه ؛ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 145 ) ؛ إذ رخّص لكم تناول هذه الأشياء عند الضّرورة ؛ أي أكل شيء من هذه المحرّمات . فإن قيل : لم قصر التحريم في هذه الآية على الأشياء المذكورة فيه ؛ مع أنه تعالى قد حرّم أشياء غيرها في أوّل سورة المائدة ؟ قيل : لأنّ هذه الآية مكيّة ؛ نزلت في جواب الذين جادلوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في تحريم البحيرة ونحوها ، فكانت هذه الأربع
--> ( 1 ) أخرجه الطبري في جامع البيان : الأثر ( 10957 ) بإسنادين . ( 2 ) أخرجه ابن حبان في الإحسان : كتاب الفرائض : الحديث ( 6032 ) بإسناد صحيح .