الطبراني

398

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

قوله تعالى : وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ ؛ أي ما يغيب وما يبعد ، مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ ، من وزن نملة حميراء صغيرة من أعمال العباد ، فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ ولا أخفّ من الوزن من الذرّة ، وَلا أَكْبَرَ ، ولا أثقل منه ، إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ ( 61 ) ، إلّا وهو مع علم اللّه تعالى ومكتوب في اللوح المحفوظ . والعزوب البعد والذهاب ، ويعزب بضمّ الزاي وكسرها لغتان . قوله تعالى : ( مِثْقالِ ذَرَّةٍ ) أي وزن ذرّة ، ومثقال الشيء ما وازنه . قال الفرّاء : ( من نصب قوله تعالى : ( أَصْغَرَ ) و ( أكبر ) فإنّما أراد الخفض يتبعهما المثقال والذرّة ، إلّا أنّهما لا ينصرفان ؛ لأنّهما على وزن أفعل اتّباع معنى المثقال ؛ لأنّك لو لقيت من المثقال من كان رفعا وهو كقوله : ما أتاني من أحد عاقل وعاقل ، وكذلك : ما لكم من إله غيره وغيره ) « 1 » . وقيل : رفع على الابتداء ، وخبره ( إِلَّا فِي كِتابٍ ) فمن قرأ ( ولا أصغر ولا أكبر ) بالنصب فالمعنى : وما يعزب عن ربك من مثقال ذرّة ، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر . ومن رفع فالمعنى : وما يعزب عن ربك مثقال ذرّة ، ولا أصغر ولا أكبر . قوله تعالى : أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 62 ) معناه : ألا إنّ أولياء اللّه تولّاهم اللّه بحفظه وحياطته ، لا خوف عليهم يوم القيامة ولا هم يحزنون على ما اختلفوا في الدّنيا ، وقوله تعالى : الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ ( 63 ) ؛ تفسير أولياء اللّه ؛ أي الذين يؤمنون بمحمّد صلّى اللّه عليه وسلّم والقرآن ، ويتّقون الشّرك والفواحش ، وعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : أنّه سئل عن أولياء اللّه فقال : [ هم المتحابّون في اللّه ] « 2 » ، وعنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : [ هم الّذين إذا رؤوا ذكر اللّه ] « 3 » يعني إذا رآهم العامّة ذكر من أجل سيماهم في وجوههم .

--> ( 1 ) في معاني القرآن : ج 1 ص 470 : تفسير الآية . ( 2 ) أخرجه الطبري في جامع البيان : الحديث ( 13728 ) عن أبي هريرة رضي اللّه عنه . ( 3 ) أخرجه الطبري في جامع البيان : الحديث ( 13724 ) بأسانيد عديدة مرسلة ، وأصله في الرقم ( 13721 ) عن ابن عباس قال : ( ( الذين يذكر اللّه لرؤيتهم ) ) .