الطبراني
374
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
قوله تعالى : هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ؛ أي هو الذي جعل الشمس ضياء للعالمين بالنهار ، والقمر نورا بالليل . روي في الخبر : أنّ وجوههما إلى العرش وظهورهما إلى الأرض ، يضيء وجوههما لأهل السماوات السّبع ، وظهورهما لأهل الأرضين السبع ، كما قال ( وجعل القمر فيهنّ نورا وجعل الشّمس سراجا ) « 1 » . قوله تعالى : ( وَقَدَّرَهُ ) أي قدّر القمر منازل وهي ثمان وعشرون منزلة في كلّ شهر . وقيل معناه : ( وقدّره منازل ) لا يجاوزوها ولا يقصروها ، وقيل : جعل ( قدّر ) لهما يعدى إلى مفعولين ، ويجوز أن يكون المعنى وقدّرهما ، إلا أنه حذف التثنية للاختصار والإيجاز ، كما قال تعالى : وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ « 2 » . قوله تعالى : ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ ؛ أي ما خلق اللّه الشمس والقمر ، إلا لتعلموا الحساب وتعتبروا بهما ، وتستدلّوا بطلوعها وغروبها على صانعهما . وقوله : ( لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ) أي لتعلموا بالشمس حساب السنين وحساب الشّهور والليالي والأيام على ما تقدّم أن القمر يقطع في الشهر ما تقطعه الشمس في السّنة ، ويعني بقوله : ( وَالْحِسابَ ) حساب الأشهر والأيام والساعات ، وقوله تعالى : ( ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ ) ردّه إلى الفعل والخلق والتدبير ، ولو أراد الأعيان المذكورة لقال : تلك إلا بالحقّ ، ثم يخلقه باطلا ، بل إظهار الصّنعة ، ودلالته على قدرته وحكمته .
--> ( 1 ) نوح / 16 . ( 2 ) التوبة / 62 . في معاني القرآن : ج 1 ص 458 ؛ قال الفراء : ( ولم يقل : وقدّرهما . فإن شئت جعلت تقدير المنازل للقمر خاصة ؛ لأن به تعلم الشهور . وإن شئت جعلت التقدير لهما جميعا ، فاكتفى بذكر أحدهما من صاحبه ) .