الطبراني

356

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

فلم يزل أبو عامر كذلك إلى أن هزمت هوازن ، فخرج هاربا إلى الشّام فأرسل إلى المنافقين أن استعدّوا بما استطعتم من قوّة وسلاح وابنوا لي مسجدا ، فإنّي ذاهب إلى قيصر ملك الرّوم ، وآت بجند من الرّوم وأخرج محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه . فبنوا مسجدا إلى جنب مسجد قباء ، وكان الّذين بنوه اثنى عشر رجلا . فلمّا فرغوا منه أتوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو متجهّز إلى تبوك ، فقالوا : يا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إنّا قد بنينا مسجدا لذوي العلّة والحاجة واللّيلة المطيرة واللّيلة الشّاتية ، وإنّا نحبّ أن تأتيه فتصلّي لنا فيه وتدعو لنا بالبركة ، فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : [ إنّي على جناح سفر وحال شغل ، ولو قدمنا لأتيناكم إن شاء اللّه فصلّينا لكم فيه ] . فلمّا رجع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من تبوك أتوه فسألوه إتيان مسجدهم ، فدعا بقميصه ليلبسه ويأتيهم ، فنزلت هذه الآية وأعلمه اللّه تعالى بخبرهم وما همّوا به ، فدعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مالك بن الدّهشم ومعن بن عديّ وعامر بن السّكن والوحشيّ قاتل حمزة ، وقال لهم : [ انطلقوا إلى هذا المسجد الظّالم أهله فاهدموه وحرّقوه ] فخرجوا سراعا ، فأخذوا سعفا من النّخل ، وأشعلوا فيه النّار وهدموه ، وأمر النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أن يتّخذ كناسة يلقى فيه القمامة والجيف ، ومات أبو عامر بالشّام وحيدا غريبا « 1 » . وقال عكرمة : ( سأل عمر رضي اللّه عنه رجلا منهم : ماذا أعنت في هذا المسجد ، قال : أعنت فيه بسارية ، فقال عمر رضي اللّه عنه : أسر بها في عنقك في نار جهنّم ) . وروي : ( أنّ بني عمرو بن عوف بنوا مسجدا وسألوا عمر رضي اللّه عنه أن يصلّي بهم الجماعة مجمع بن الحارثة فقال : لا ؛ ولا نعمة عين ، أليس بإمام مسجد الضّرار ، فقال له مجمع : يا أمير المؤمنين لا تعجل عليّ ، فو اللّه لقد صلّيت فيه وإنّي لا أعلم ما أضمروا عليه ، ولو علمت ما صلّيت معهم ، وكنت غلاما وهم شيوخ لا يقرءون من القرآن شيئا ، فصلّيت بهم ولا أعلم ما في نفوسهم ، فعذره عمر رضي اللّه عنه وصدّقه ، وأمره بالصّلاة في

--> ( 1 ) أخرجه الطبري في جامع البيان : الحديث ( 13361 ) مرسلا عن الزهري ويزيد بن رومان وعبد اللّه بن أبي بكر وعاصم بن عمر بن قتادة ، والحديث ( 13371 ) عن ابن زيد ، و ( 13372 ) .