الطبراني

296

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

الإيمان ، وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( 23 ) ؛ إنما جعل الظالمين لموالاة الكفار ؛ لأنّ الراضي بالكفر يكون كافرا ، وعن الضحّاك : ( لمّا أمر اللّه المؤمنين بالهجرة وكانوا قبل الفتح بمكّة من آمن ولم يهاجر ، لم يقبل اللّه إيمانه إلّا بمهاجرة الآباء والأقرباء أي بمجانبتهم إذا كانوا كفّارا ، فقال المسلمون : يا رسول اللّه ! إن نحن اعتزلنا من خالفنا في الدّين ، انقطع آباؤنا وعشيرتنا ، وتذهب تجارتنا وتخرب ديارنا ؟ فأنزل اللّه هذه الآية ) . وقال الكلبيّ : ( لمّا أمر اللّه النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بالهجرة إلى المدينة ، جعل الرّجل يقول لأخيه وأبيه وامرأته وأقربائه : إنّا قد أمرنا بالهجرة إلى المدينة فأخرجوا معنا إليها ، فمنهم من يعجبه ذلك فينازع إليه معهم ، ومنهم من يأبى أن يهاجر فيقول الرّجل لهم : واللّه لا أنفعكم بشيء ولا أعطيكم ولا أنفق عليكم ، ومنهم من تتعلّق به زوجته وولده وعياله ، فيقولون له : ننشدك اللّه أن لا تضيّعنا ، فيرقّ ويجلس ويترك الهجرة ، فأنزل اللّه هذه الآية ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ ) أي أصدقاء فتفشون إليهم سرّكم وتؤثرون المقام معهم على الهجرة والجهاد إن استحبّوا الكفر على الإيمان ، ومن يتولّهم منكم فيطلعهم على عورة الإسلام وأهله ، ويؤثر المكث معهم على الهجرة ، ( فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) أي القاضون الواضعون الولاية في غير موضعها . قوله عزّ وجلّ : قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ ؛ أي قل يا محمّد للذين تركوا الهجرة إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم ونساؤكم وقراباتكم ، وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها ؛ اكتسبتموها بمكّة وأصبتموها ، وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها ؛ أي عدم نفاقها إذا اشتغلتم بطاعة اللّه ، وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها ؛ ومنازل تعجبكم الإقامة بها بمكّة ، أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ ؛ طاعة ، اللَّهِ وَرَسُولِهِ ؛ بالهجرة إلى المدينة ، وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ ، وأحبّ إليكم من الجهاد في طاعة اللّه ، فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ، أي فانتظروا حتى يأتي اللّه بفتح مكّة ، ويقال : حتى يأتي اللّه بعذاب عاجل أو آجل ، وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ ( 24 ) ؛ أي لا يرشد الخارجين عن طاعته إلى معصيته ، ولا يهديهم إلى جنّته وثوابه .